سلافة حجازي: الوسائط الرقمية والجسد والحرب
٦ أيلول ٢٠٢٦
رجل عارٍ ملقى على ظهره يلد بندقية. صورة رقمية واحدة من دمشق عام 2011 كانت كافية لتدور العالم عبر الشاشات قبل أن تصل إلى قاعات المتحف البريطاني. صاحبتها لم تأتِ من مرسم ولا من كلية فنون جميلة، بل من استوديوهات رسوم الأطفال المتحركة.
من سبيستون إلى المرسم الرقمي
ولدت سلافة حجازي في دمشق عام 1977، ودرست في المعهد العالي للفنون المسرحية إلى جانب تدريب فني مبكر في مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية. منذ 1997 كتبت وأخرجت أعمالاً تلفزيونية وتحريكية للأطفال، وكانت ضمن الفريق المؤسس لقناة سبيستون، أول قناة فضائية عربية مجانية للصغار. عام 2009 أنجزت فيلم التحريك الطويل «طيور الياسمين» الذي نال جوائز دولية، وفي 2010 أسست دار «بلودار» للإنتاج الفني الرقمي.
هذه التفصيلة المهنية ليست هامشاً في سيرتها بل مفتاحها: حين انفجرت الأحداث عام 2011، كانت أدواتها جاهزة - برامج التحريك واللوح الرقمي - وكان وسيطها قابلاً للإخفاء عن أعين التفتيش بضغطة زر، بعكس أي لوحة مسندية. كما أن سنوات صناعة المحتوى للأطفال دربتها على اقتصاد الصورة: رسالة واحدة في كادر واحد يفهمه المشاهد خلال ثوانٍ. حين انتقلت الصورة من شاشة الأطفال إلى شاشة الحرب، بقي الاقتصاد نفسه وانقلب المضمون.
عضويتها في مجلس إدارة المركز الدولي لأفلام الأطفال والشباب (CIFEJ) بين 2012 و2017 تختصر المفارقة: امرأة تدير شؤون سينما الطفولة العالمية بينما ترسم سراً أعنف صور الحرب السورية.
«مستمر»: الجسد في زمن البندقية
بين 2011 و2015 أنجزت حجازي سلسلتها الأشهر «مستمر» (Ongoing): رسوم رقمية بدأت من دمشق ونُشرت أولاً عبر وسائل التواصل، فوصلت إلى جمهورها الأول قبل أي غاليري وقبل أي وسيط مؤسسي. جنين ملتفّ داخل رشاش، أجساد تتناسل من الآلة، رجل يلد بندقية - صور عن العنف والذكورة العسكرية والإنجاب، خالية عمداً من أي رموز سورية مباشرة: لا علم ولا صورة زعيم ولا معلم مكاني، ليقرأها المشاهد بوصفها صوراً عن أي حرب تلد نفسها. هذا التجريد المقصود هو ما أطال عمر السلسلة بعد لحظتها.
نُشرت أعمال السلسلة في كتاب «سوريا تتحدث: الفن والثقافة من خط المواجهة» الصادر عن دار الساقي عام 2014، واقتنى المتحف البريطاني عملاً منها بعنوان «بلا عنوان» (2012) عرضه ضمن معرض «انعكاسات: فن معاصر من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» عام 2021. كما تقتني مؤسسة بارجيل في الشارقة أعمالاً لها.
برلين: ما بعد الصورة الرقمية
غادرت حجازي سوريا إلى فرانكفورت عام 2013 مع تضييق هامش التعبير، ودرست الفن المعاصر في شتيدلشوله، إحدى أهم أكاديميات الفن الألمانية، ضمن صف الفنانة يوديت هوبف، قبل أن تستقر في برلين. في معرض الأكاديمية السنوي عام 2015 قدمت عملاً تشاركياً بعنوان «الدورة» دعت فيه الجمهور إلى تدمير لوحة - سؤال مبكر عن العنف حين ينتقل من الشاشة إلى اليد. أعمالها اللاحقة وسّعت السؤال ذاته - ماذا تفعل التقنية بالجسد؟ - عبر وسائط جديدة: طباعة عدسية في سلسلة «صور متحركة» (2016-2017) تحبس شخوصاً بيضاء في حركة مكررة لا تكتمل، وفيديو وواقع معزز في مشروع «Locomotion» (2018-2021) الذي يربط شارع كارل ماركس في برلين الشرقية سابقاً بعمارة دمشق البعثية، وصولاً إلى أعمال 2021 مثل «جارٍ التحميل: الجنة الموعودة».
عُرض «مستمر» مجدداً بين 2022 و2024 في متحف الفنون والحرف في هامبورغ ضمن معرض «كونوا مع الثورة»، دليلاً على أن السلسلة تجاوزت لحظتها الإخبارية إلى مكانة وثيقة فنية. وقبلها بعامين قدمت في برلين معرضاً ثنائياً بعنوان «Gefangen» (محتجزون) في آرت لاب برلين بتقييم شارلوت بانك وصلاح صولي، ضمن شبكة عروض ألمانية تواظب عليها منذ استقرارها هناك.
لماذا تهم تجربتها المقتني؟
إلى جانب المتحف البريطاني، تقتني أعمالها مؤسسة بارجيل في الشارقة ومنظمة الدعم الإعلامي الدولي في كوبنهاغن، وعرضت في محطات تمتد من متحف أونتاريو الملكي في تورونتو إلى مسارح ميونيخ، بحسب سيرتها الرسمية.
حجازي حالة نادرة في مشهد الفنانات السوريات: فنانة وسائطها الأصلية رقمية بالكامل، لا رسامة استعانت بالكمبيوتر. سؤالها الدائم عن العلاقة بين التقنية والجسد سبق موجة الفن الرقمي العالمية بسنوات، وحين وصلت الموجة كانت هي قد راكمت عقداً كاملاً من الاشتغال عليه. من يتابع سوق الفن السوري في زمن الحرب يعرف أن أعمال تلك المرحلة صارت وثائق مرحلة كاملة، ودخول عمل رقمي منها إلى مقتنيات المتحف البريطاني سابقة تفتح باب السؤال عن اقتناء الفن الرقمي السوري عموماً - طبعات محدودة، ملفات موقعة، وأسعار ما تزال في أول السلم.
في الجيل نفسه من فناني الشتات تتجاور تجربتها مع عزة أبو ربعية التي وثّقت الحرب بالحفر على النحاس، ومع ديانا الحديد التي تنحت ذاكرة حلب من بروكلين. ثلاث نساء، ثلاثة وسائط، وسؤال واحد عن الجسد والمكان.
المزيد من ملفات الفنانين في فهرس المقالات.
أسئلة شائعة
من هي سلافة حجازي؟
فنانة وسائط رقمية ومخرجة سورية من مواليد دمشق عام 1977، بدأت في التلفزيون ورسوم الأطفال المتحركة، ثم اشتهرت عالمياً بسلسلة «مستمر» الرقمية عن الحرب السورية. تقيم في برلين، وأعمالها مقتناة في المتحف البريطاني ومؤسسة بارجيل.
ما هي سلسلة «مستمر» (Ongoing)؟
سلسلة رسوم رقمية أنجزتها حجازي بين 2011 و2015، بدأت معظم صورها من دمشق أثناء الأحداث ونشرتها عبر وسائل التواصل. تتناول الجسد والعنف والذكورة المسلحة - أشهر صورها رجل يلد بندقية - وقد نُشرت في كتاب «سوريا تتحدث» عن دار الساقي عام 2014.
لماذا اختارت الوسيط الرقمي تحديداً؟
لسببين موثقين في تصريحاتها: خلفيتها المهنية في التحريك والتصميم الرقمي منذ التسعينات، وأن الملف الرقمي يمكن إخفاؤه أو محوه بسرعة عند مداهمة أو تفتيش، بعكس اللوحة. الوسيط هنا قرار أمني وجمالي في آن واحد.