فنانات سوريا: من ليلى نصير إلى سارة شمّا

٦ أيلول ٢٠٢٦

في 9 أيار 2026 فُتح باب الجناح السوري في بينالي البندقية على برج جنائزي يستعيد مدافن تدمر التي دمرتها الحرب، بداخله لوحات وضوء وصوت ورائحة. صاحبة العمل سارة شمّا، وهي أول فنانة تقود جناح سوريا بعرض منفرد في تاريخ البينالي. لحظة كهذه لا تأتي من فراغ: خلفها ثمانون سنة من فنانات رسمن وحفرن ونحتن في بلد لم يكن يسهّل على امرأة أن تحترف الفن أصلاً.

خط زمني لثلاثة أجيال من الفنانات السوريات

ليلى نصير: الرائدة التي دفعت الثمن

وُلدت ليلى نصير في اللاذقية عام 1941 لعائلة شجعتها على الدراسة، فسافرت إلى القاهرة ودرست في كلية الفنون الجميلة وتخرجت عام 1963، ثم درّست لاحقاً في جامعة دمشق. اشتغلت على الإنسان المسحوق والجسد الأنثوي والأمومة بلغة قريبة من صديقها لؤي كيالي، لكن مع سؤال إضافي لم يطرحه جيلها من الرجال: مكانة المرأة في المجتمع العربي. من يقرأ مقالنا عن أشهر الفنانين السوريين يلاحظ كم كانت الأسماء النسائية قليلة في ذلك الجيل، وهذا بالضبط ما يجعل استمرارها عقوداً كاملة إنجازاً بحد ذاته.

نالت نصير وسام الاستحقاق السوري عام 2018، وتوفيت في آب 2023 في دار رعاية في اللاذقية. بعد رحيلها بعام أقام غاليري أيام في دبي معرضاً استعادياً لأعمالها بعنوان «إستوريا».

أسماء فيومي: التجريد من قلب دمشق

بعد نصير بعامين وُلدت أسماء فيومي (1943)، ودرست في كلية الفنون الجميلة بدمشق على يد الإيطالي غيدو لا ريجينا إلى جانب زملاء صاروا أعلاماً مثل أسعد عرابي. معرضها الفردي في دمشق عام 1966 ثبّت حضورها مبكراً، وظلت منذ الستينيات اسماً أساسياً في المشهد الدمشقي، تتنقل من تجريد شوارع المدينة إلى تعبيرية محمّلة بالرموز.

الاعتراف الدولي الواسع جاء متأخراً لكنه جاء قوياً: أعمالها دخلت معرض «تيكينغ شيب» عن التجريد العربي الذي طاف متاحف أميركية بين 2020 و2022، ثم معرض وايتشابل غاليري في لندن عام 2023 عن الفنانات والتجريد العالمي. أعمالها اليوم في مجموعات تشمل متحف دمشق الوطني ومؤسسة برجيل.

جيل الوسط: هالة الفيصل

بين جيل الرواد وجيل الحرب يقف جيل درس في دمشق ثم خرج مبكراً إلى العالم. هالة الفيصل، المولودة في حمص عام 1960، تخرجت من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1983 وأكملت بين باريس وموسكو ونيويورك، ورسمت الجسد الإنساني بجرأة لم تكن مألوفة في جيلها. مسارها المتنقل بين اللغات والعواصم كان مقدمة لما سيصير قاعدة عند الجيل التالي: الفنانة السورية التي تعمل من أكثر من بلد.

سارة شمّا: من دمشق إلى البندقية

وُلدت سارة شمّا في دمشق عام 1975 وتخرجت الأولى على دفعتها في قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة، جامعة دمشق، عام 1998. الالتفاتة الدولية الأولى جاءت عام 2004 حين نالت الجائزة الرابعة في مسابقة بي بي للبورتريه في ناشونال بورتريه غاليري بلندن عن بورتريه ذاتي. غادرت سوريا بسبب الحرب، وحصلت عام 2016 على تأشيرة «الموهبة الاستثنائية» البريطانية، ثم عادت إلى دمشق أواخر 2024 بعد ثماني سنوات في لندن.

مشروعها في البينالي، «مدفن برج تدمر» بتنسيق يوكو هاسيغاوا، برج قائم بذاته مستوحى من العمارة الجنائزية التدمرية، يدافع من داخله عن استرداد الآثار المنهوبة خلال الحرب. صفحتها هنا على الموقع تتابع مسيرتها بالتفصيل.

الجيل الذي حملته الحرب إلى العالم

سلافة حجازي (دمشق، 1977) خرجت من المسرح والتحريك إلى الفن المعاصر، واشتهرت بسلسلة «مستمر»، رسوم رقمية أنجزت معظمها من دمشق بين 2011 و2015 وانتشرت عالمياً قبل أن تستقر في برلين. عزّة أبو ربعية (1980)، خريجة قسم الحفر في جامعة دمشق عام 2002، اقتنى المتحف البريطاني ثلاثاً من حفرياتها التي هُرّبت عبر بيروت، ثم اعتُقلت عام 2015 فرسمت وجوه رفيقات الزنزانة بقلم رصاص انتزعته من سجّانيها، وتعمل اليوم من بيروت. وديانا الحديد، المولودة في حلب عام 1981 والمهاجرة طفلةً إلى أوهايو، صارت من أبرز النحاتات في أميركا بمنحوتاتها التي تشبه مدناً متآكلة، وتعمل من بروكلين.

أسماء استبعدناها عمداً رغم شيوع ربطها بسوريا: إيتيل عدنان مثلاً فنانة لبنانية أميركية، لا سورية.

ماذا تقول هذه السلسلة؟

الخيط الواصل من نصير إلى شمّا ليس الأسلوب، فبين تعبيرية الستينيات والحفر والرقمي والنحت مسافات شاسعة. الخيط هو الكلفة: كل جيل دفع ثمن الحضور بطريقته، جيل دفع ثمن كونها امرأة تحترف الرسم، وجيل دفع ثمن الحرب والسجن والمنفى. من يريد وضع هذه الأسماء في سياقها الأوسع يجد البانوراما الكاملة في تاريخ الفن السوري الحديث، وبقية ملفاتنا عن المشهد في فهرس المقالات.

وهناك أسماء أخرى تستحق ملفات مستقلة لاحقاً، من التشكيليات المقيمات في دمشق وحلب إلى فنانات الوسائط الجديدة في عواصم الشتات. هذه الصفحة تفتح الباب ولا تغلقه.

سوق الفن بدأ يلحق بهذا التاريخ. حضور فيومي في وايتشابل، ومقتنيات المتحف البريطاني لأبو ربعية، وجناح البندقية لشمّا، كلها إشارات إلى أن أعمال الفنانات السوريات تنتقل من هامش السرد إلى مركزه، ومعها تنتقل الأسعار عادةً. من يقتني اليوم يقتني قبل اكتمال هذا التصحيح.

أسئلة شائعة

من أول فنانة سورية وصلت إلى بينالي البندقية بعرض منفرد؟

سارة شمّا. اختيرت لتمثيل سوريا في الدورة 61 من بينالي البندقية (9 أيار - 22 تشرين الثاني 2026) بعمل منفرد بعنوان «مدفن برج تدمر» من تنسيق اليابانية يوكو هاسيغاوا، وهي أول فنانة تقود الجناح السوري بعرض فردي.

من هي رائدة الفن النسائي السوري الحديث؟

ليلى نصير (1941-2023) من اللاذقية، خريجة كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1963. توصف بأنها أبرز فنانة سورية واصلت مسيرتها الفنية في زمن كان استمرار الفنانات فيه نادراً، ونالت وسام الاستحقاق السوري عام 2018.

هل توجد أعمال لفنانات سوريات في متاحف عالمية؟

نعم. المتحف البريطاني اقتنى ثلاث حفريات لعزّة أبو ربعية، وأعمال أسماء فيومي عُرضت في غاليري وايتشابل بلندن ومتاحف أميركية ضمن معارض التجريد العربي، وأعمال ديانا الحديد موجودة في مجموعات مؤسسات أميركية كبرى.