تاريخ الفن التشكيلي السوري - قرن كامل في محطات كبرى
٦ أيلول ٢٠٢٦
في 8 شباط 2025، في الدرعية قرب الرياض، رفع بائع المزاد مطرقته على لوحة «ثم ماذا؟؟» للؤي كيالي: 900 ألف دولار، رقم قياسي لفنان سوري. اللوحة نفسها رُسمت عام 1965 في بلد كان قد افتتح كليته للفنون قبل خمس سنوات فقط. بين المشهدين قرن كامل من التحولات، وهذا دليل مختصر لمحطاته.
البداية: مرسم في دمشق العثمانية
توفيق طارق (1875-1940) ابن ضباط دمشقي، درس في باريس في مدرسة الفنون الجميلة، وعاد بعد 1901 ليعمل مهندساً ومساحاً. لكن أثره الأعمق كان مرسمه: أول مرسم مستقل مفتوح للجمهور في دمشق، رسم فيه وجوه الطبقة الدمشقية ومشاهد تاريخية، وعلّم المدينة شيئاً لم تعرفه من قبل - أن اللوحة تُقتنى وتُعلّق على الجدار. في 1930 شارك في تأسيس نادي الفنون الجميلة في ساروجة، وترأس قسم الرسم فيه.
الجيل الذي تلاه اشتغل بلا مؤسسات تقريباً: مراسم خاصة، جمعيات صغيرة، معارض متفرقة. من أراد دراسة أكاديمية سافر - إلى القاهرة أو روما أو باريس. فاتح المدرّس التحق بأكاديمية روما عام 1954 وحاز جائزتها الأولى عام 1960، ولؤي كيالي درس في الأكاديمية نفسها، ومحمود حمّاد مرّ بروما بدوره قبل أن يعود ليؤسس. حتى مروان قصاب باشي بدأ في دمشق طالباً للأدب العربي في جامعتها بين 1955 و1957 قبل أن يستقل القطار إلى برلين. البلد كان يصدّر مواهبه ريثما يبني لها بيتاً.
1960: الدولة تبني المشغل
المحطة المؤسسية الكبرى جاءت عام 1960 بافتتاح المعهد العالي للفنون الجميلة في دمشق، بكادر مصري في سنواته الأولى، قبل أن يُضم إلى جامعة دمشق عام 1963 كلية كاملة. محمود حمّاد، أحد أبرز مؤسسيها، ترأس قسم الحفر ثم صار عميداً عام 1970 وأطلق بناء مبنى الكلية في البرامكة. القصة كاملة في مقال كلية الفنون الجميلة بدمشق.
في السنة نفسها، 1960، وقف سوريان شابان في بينالي البندقية: فاتح المدرّس ولؤي كيالي. عادا من روما ليعلّما في الكلية الجديدة، وليصنعا مع حمّاد وإلياس الزيات وزملائهم ما نسميه اليوم العقد الذهبي - تفصيله في الستينيات: عقد الحداثة السورية.
أسماء صارت مدارس
من هذا الجيل خرجت اللغات التي ما زال السوق يتداولها حتى اليوم:
- فاتح المدرّس (1922-1999): وجوه مسطّحة تشبه الأيقونات وتحمل وجع الريف الشمالي.
- لؤي كيالي (1934-1978): باعة الجرائد والصيادون، صمت إنساني كامل في لوحة واحدة.
- محمود حمّاد (1923-1988): الحرف العربي مادةً للتجريد، قبل أن تصير «الحروفية» موضة عربية.
- مروان قصاب باشي (1934-2016): غادر إلى برلين عام 1957 وحوّل الوجه الإنساني إلى تضاريس، حتى صار أستاذاً في أكاديميتها.
2011: الانفجار والشتات
الحرب بعثرت هذا المشهد كله. مئات الفنانين غادروا إلى برلين وباريس وبيروت ودبي وإسطنبول، وبقي آخرون في الداخل يشتغلون بصمت. صورة تمّام عزّام التي طبعت «قبلة» كليمت على جدار مهدّم انتشرت عالمياً عام 2013 وصارت أيقونة تلك المرحلة، بينما دفع يوسف عبدلكي - الحفّار الذي عاد إلى دمشق عام 2005 بعد ربع قرن من المنفى - ثمن بقائه اعتقالاً في صيف 2013. في برلين تشكلت بنية موازية كاملة: منظمات دعم، وقواعد بيانات للفنانين المشتتين، وبينالي سوري متنقل يتتبع طرق اللجوء نفسها. الحكاية بفصولها في الفن السوري في سنوات الحرب.
المفارقة أن سنوات الحرب هي نفسها سنوات صعود السوق: رقم المدرّس القياسي (374,500 دولار، كريستيز دبي 2010) جاء قبل الحرب بأشهر، لكن الأرقام الكبرى توالت بعدها، وبلغت ذروتها في مزادات 2025.
ما بعد 2024: العودة
بعد كانون الأول 2024 انقلب اتجاه الحركة. سارة شمّا عادت من لندن إلى دمشق بعد ثماني سنوات، ثم اختيرت لتمثل سوريا بجناح منفرد - الأول من نوعه في تاريخ البلاد - في بينالي البندقية 2026 بعمل «المدفن البرجي في تدمر»: برج جنائزي تدمري بارتفاع خمسة عشر متراً يضم ثماني عشرة لوحة جديدة. معرض دمشق الدولي عاد بدورته الـ62 في آب 2025 بعد ست سنوات توقف، ومعرض «طريق» في مبنى مسار المهجور جمع 29 فناناً شاباً في أول حدث تشكيلي كبير بعد التحرير، والصالات تفتح أبوابها واحدة تلو الأخرى. تفاصيل هذا الفصل الجديد في المشهد التشكيلي بعد 2024.
كيف تقرأ هذا القرن؟
ثلاث خلاصات لمن يدخل هذا التاريخ من باب الاقتناء أو الفضول. الأولى: التشكيل السوري فن حديث السن مؤسساتياً لكنه كثيف الإنجاز - ما بين مرسم طارق وجناح البندقية أقل من مئة عام. الثانية: كلية الفنون الجميلة هي الخيط الناظم، فمعظم الأسماء التي تمر في مزادات لندن ودبي إما درّست فيها أو تخرّجت منها. الثالثة: السوق يتحرك متأخراً عن التاريخ - الأسماء التي كرّسها النقد في الستينيات لم تصل أرقامها القياسية إلا بعد 2010، ما يعني أن أجيالاً كاملة ما زالت خارج دائرة الضوء.
للمزيد عن الأسماء والأسواق، تصفح بقية المقالات.
أسئلة شائعة
من هو رائد الفن التشكيلي السوري؟
توفيق طارق (1875-1940) في المرتبة الأولى بإجماع المؤرخين: درس في باريس، وفتح في دمشق أول مرسم مستقل مفتوح للجمهور، وأدخل إلى المدينة فكرة اقتناء اللوحة أصلاً. بعده يأتي جيل الثلاثينيات والأربعينيات الذي مهّد لتأسيس التعليم الفني.
متى تأسست كلية الفنون الجميلة في دمشق؟
افتُتح المعهد العالي للفنون الجميلة عام 1960 تابعاً لوزارة التربية، ثم ضُم إلى جامعة دمشق عام 1963 وصار كلية الفنون الجميلة. وهي حتى اليوم المشغل الأساسي الذي تخرّج منه معظم فناني سوريا.
ما أغلى لوحة سورية بيعت في مزاد؟
حتى الآن لوحة لؤي كيالي «ثم ماذا؟؟» (1965) التي بيعت بـ900 ألف دولار في مزاد سوثبيز الأول في السعودية بتاريخ 8 شباط 2025، متجاوزة رقمه السابق بنحو 150%.