الستينيات - عقد الحداثة السورية الذهبي

٦ أيلول ٢٠٢٦

صيف 1960، أروقة جيارديني في البندقية. بين أجنحة الدول الكبرى عملان قادمان من بلد لم يعرف كلية فنون بعد: لوحات فاتح المدرّس ولؤي كيالي، شابان من حلب يدرسان في روما ويمثلان سوريا في أعرق بينالي في العالم. تلك الوقفة المبكرة كانت إعلان افتتاح لعقد كامل غيّر وجه التشكيل السوري - العقد الذي يدفع السوق ثمنه اليوم بمئات آلاف الدولارات.

ثلاثة شروط لولادة حداثة

الحداثات لا تولد صدفة. في دمشق الستينيات اجتمعت ثلاثة شروط نادرة التزامن. الأول: جيل المبتعثين عاد دفعة واحدة - المدرّس من أكاديمية روما (درس فيها من 1954 وحاز جائزتها الأولى عام 1960)، وكيالي من الأكاديمية نفسها، ومحمود حمّاد من تجربته الرومانية المبكرة. الثاني: الدولة افتتحت المعهد العالي للفنون الجميلة عام 1960 فصار للعائدين منبر ومرسم وطلاب - قصته في مقال الكلية. الثالث: الاعتراف الدولي المبكر، من البندقية إلى معارض بيروت التي كانت عاصمة السوق العربي حينها.

النتيجة: خلال أقل من عشر سنوات تبلورت في دمشق لغات تشكيلية متمايزة تماماً، يعرفها اليوم أي مثمّن مزادات من نظرة واحدة. ولم تكن لغات متصالحة بالضرورة - السجالات بين أنصار التجريد وأنصار التشخيص ملأت مقاهي دمشق وصفحاتها الثقافية طوال العقد، وهذه الخصومة الخصبة نفسها كانت وقود الحداثة.

خارطة تيارات الستينيات: الوجه الأيقوني، الواقعية الإنسانية، تجريد الحرف

ثلاث لغات من مدينة واحدة

الوجه الأيقوني. فاتح المدرّس (1922-1999) ضغط الوجوه في صفوف متراصة تشبه أيقونات الكنائس السريانية، وحمّلها طين الشمال السوري وحزنه. ابن قرية حريتان قرب حلب لم يتخل عن مرجعيته الريفية حتى في أكثر أعماله تجريداً، وواصل تكوينه لاحقاً في باريس حتى أوائل السبعينيات وهو يدرّس في دمشق. لوحاته من مرحلة الستينيات هي الأغلى في سجله: عمل من عام 1967 بلغ 374,500 دولار في كريستيز دبي عام 2010، ولسنوات ظل هذا الرقم سقف السوق السوري كله.

الواقعية الإنسانية. لؤي كيالي (1934-1978) ذهب الاتجاه المعاكس: لا تجريد ولا رمز، بل بائع جرائد وصياد وماسح أحذية، مرسومون بصمت يجعل اللوحة تصرخ. لوحته «ثم ماذا؟؟» المرسومة عام 1965 - قلب هذا العقد بالضبط - هي التي بيعت في 8 شباط 2025 بـ900 ألف دولار في مزاد سوثبيز الأول بالسعودية، أعلى رقم لفنان سوري حتى اليوم، متجاوزة رقمه السابق - لوحة الصياد الفتى Fisherboy المرسومة عام 1976 والمبيعة بـ341,200 دولار في بونهامز عام 2024 - بنحو 150%. ستون عاماً احتاجها السوق ليدرك ما رآه زوار البينالي في ذلك الشاب الحلبي.

تجريد الحرف. محمود حمّاد (1923-1988) وجد طريقاً ثالثاً: الحرف العربي لا زخرفةً بل بنيةً هندسية تتحرك بين مربعات ودوائر ومساحات لون. وصل إلى ذلك بالتدريج - من واقعية تعبيرية في روما، إلى تجريد مبكر في درعا حيث اشتغل ضمن ما عُرف بثلاثي درعا، وصولاً إلى انغماسه الكامل في الحرف منذ الستينيات، قبل أن تصبح «الحروفية» تياراً عربياً عريضاً يمتد من بغداد إلى الخرطوم. ظل حمّاد الأكثر صرامة بين أهل هذا التيار: عنده الحرف بنية لا شعار.

وعلى هامش المشهد الدمشقي كان رابع كبير يشتغل بعيداً: مروان قصاب باشي، الذي غادر إلى برلين عام 1957 وبدأ في الستينيات أعماله التشخيصية المبكرة التي ستقوده لاحقاً إلى «الوجه - التضاريس». حداثته سورية الجذر وإن نمت على ضفة الشبريه.

عقد المؤسسات أيضاً

ما يُنسى غالباً أن العقد الذهبي كان عقد بناء إداري بقدر ما كان عقد رسم. ضُم المعهد إلى جامعة دمشق عام 1963، وأنشأت وزارة الثقافة مديرية للفنون الجميلة تولاها عفيف بهنسي من 1962، وتراكمت المعارض الرسمية والمقتنيات العامة، وتكاثرت الجمعيات والروابط الفنية التي بدأت خيوطها منذ نادي ساروجة في الثلاثينيات، وصولاً إلى استضافة دمشق المؤتمر العربي الأول للفنون الجميلة عام 1971 - تتويج رمزي لعقد جعل العاصمة السورية طرفاً في الحوار الفني العربي لا متلقياً له. الفن السوري خرج من الستينيات ومعه ما لم يكن يملكه قبلها: كلية، وسوق ناشئة، وأسماء دولية.

وخرج أيضاً بجيل ثانٍ يتكوّن داخل قاعات الكلية نفسها: مدرّسون جدد مثل نذير نبعة العائد من القاهرة، وطلاب السبعينيات والثمانينيات الذين سيحملون هذه اللغات إلى مناطق جديدة، وفي مقدمتهم صفوان داحول - سلسلة توريث كاملة تفصيلها في مقال الكلية.

لماذا يدفع السوق ثمن هذا العقد تحديداً؟

القاعدة في المزادات أن القيمة تتبع الندرة والمرحلة. أعمال الستينيات السورية تجمع الاثنتين: هي سنوات النضج الأول لأصحابها، ومعروضها محدود لأن معظمها استقر في مجموعات عائلية ومتاحف. حين تصدّرت لوحتا المدرّس (1967) وكيالي (1965) سجلات الأسعار، لم يكن ذلك حنيناً - بل تسعيراً دقيقاً للحظة التي بلغ فيها التشكيل السوري كثافته القصوى.

السياق الأوسع في تاريخ الفن التشكيلي السوري في قرن، وما جرى لورثة هذا العقد بعد 2011 في الفن السوري في سنوات الحرب. المزيد دائماً في صفحة المقالات.

أسئلة شائعة

لماذا تسمى الستينيات العقد الذهبي للفن السوري؟

لأن ثلاثة شروط اجتمعت فيها دفعة واحدة: عودة المبتعثين من روما وباريس بلغات حديثة، وافتتاح المعهد العالي للفنون الجميلة عام 1960 الذي أعطاهم منبراً ورواتب، وحضور دولي مبكر بدأ ببينالي البندقية 1960. معظم الأعمال السورية الأغلى في المزادات اليوم رُسمت في تلك السنوات أو تفرّعت من أساليبها.

من مثّل سوريا في بينالي البندقية عام 1960؟

فاتح المدرّس ولؤي كيالي، وكانا ما يزالان طالبين في روما تقريباً. عاد الاثنان بعدها للتدريس في دمشق، وصارا أشهر ثنائي في تاريخ التشكيل السوري.

ما الحروفية وما علاقة سوريا بها؟

الحروفية تيار عربي جعل الحرف العربي مادة للتجريد بدل الزخرفة. محمود حمّاد من روادها الأوائل: منذ الستينيات بنى لوحته على هندسة الحرف ضمن مساحات لونية، قبل أن يتحول التيار إلى ظاهرة عربية واسعة في السبعينيات.