نذير نبعة: ألوان دمشق

٦ أيلول ٢٠٢٦

في مزاد كريستيز دبي عام 2017، صعدت لوحة «بلا عنوان (ثلاث سيدات)» لنذير نبعة إلى 87,500 دولار، رقمه القياسي الموثق حتى اليوم. ثلاث نساء بملامح دمشقية هادئة، قماش مشغول حتى آخر خيط، وذهب يلمع في الخلفية كأنه جدار أيقونات. من يعرف بدايات الرجل يدرك المفارقة: الرسام الذي انتهى إلى هذا البذخ اللوني بدأ برسم ملصقات المقاومة بالأبيض والأسود.

من حي شعبي إلى القاهرة

ولد نذير نبعة في دمشق عام 1938 لعائلة بسيطة، الأب اشتغل بالفلاحة وأعمال أخرى، والأم كانت تشتغل بالتطريز. خيوط الأم وألوانها ستعود لاحقاً في لوحاته بوضوح لا يخطئه أحد.

سافر إلى القاهرة ودرس في كلية الفنون الجميلة بين 1959 و1965، في سنوات الوحدة السورية المصرية وما بعدها. هناك التقى زميلته الفنانة شلبية إبراهيم التي صارت شريكة عمره ومرسمه. عاد إلى سوريا مدرّساً للرسم، وكانت مرحلته الأولى واقعية ملتزمة: فلاحون، عمال، وجوه متعبة مرسومة بحس بطولي.

الملصق السياسي: فنان القضية

في أواخر الستينات وبداية السبعينات صار نبعة أحد أهم مصممي الملصق السياسي في المشرق. رسم لفلسطين وللمقاومة، وساهم في تشكيل الهوية البصرية لقضايا تلك المرحلة بخطوط حادة ورموز مكثفة. هذه الأعمال الغرافيكية، التي طبع بعضها بعشرات الآلاف، تدرس اليوم كوثائق فنية وسياسية معاً، وتحتفظ مؤسسات مثل مؤسسة دلول الفنية في بيروت بنماذج منها.

باريس ثم العودة إلى الذهب الدمشقي

بين 1971 و1974 أكمل دراسته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس. عاد بعدها إلى دمشق أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث تخرجت على يديه أجيال من التشكيليين السوريين.

وفي المرسم حدث التحول الكبير. تراجعت الواقعية البطولية لصالح عالم تصويري خاص: المرأة الدمشقية بوصفها أيقونة، الأزهار المتفجرة بالألوان، الأقمشة والحلي المرسومة بصبر مطرّزة، وخلفيات ذهبية تستدعي تدمر والأيقونة الشرقية معاً. لم يكن هذا انسحاباً من الالتزام بقدر ما كان إعادة تعريف له: حفظ الذاكرة البصرية لمدينة كاملة داخل اللوحة.

المحطات الكبرى في حياة نذير نبعة

ماذا يعني اقتناء نبعة اليوم؟

توفي نبعة في دمشق عام 2016، وأعماله موزعة بين المجموعات الخاصة السورية واللبنانية والخليجية ومؤسسات مثل دلول وأتاسي. في المزادات تظهر أعماله بانتظام لدى كريستيز وسوذبيز وبونامز ضمن مزادات الفن الشرق أوسطي، والمرجع العملي لتتبع نتائجه منصتا Artsy وMutualArt.

للمقتني الجديد ثلاث ملاحظات عملية. الأولى: المرحلة تحدد السعر، فالأعمال الزيتية الكبيرة من مرحلة النساء الدمشقيات هي الأغلى، بينما الأعمال الورقية والدراسات أرخص بكثير وتصلح مدخلاً معقولاً. الثانية: التوثيق حاسم، والمصدر المفضل هو الأعمال ذات التاريخ الواضح في المعارض أو المنشورة في كتبه ومعارضه الاستعادية. الثالثة: سوق نبعة أهدأ من سوق لؤي كيالي وفاتح المدرّس - قارن مع أرقامهما في تاريخ الفن التشكيلي السوري - وهذا تحديداً ما يجعل بعض المقتنين يرونه فرصة لم تسعّر بعد بحجم مكانته.

مكانة نبعة في السردية السورية واضحة: هو الجسر بين جيل الرواد الذي أسسه أدهم إسماعيل ومحمود حماد، وبين الأجيال المعاصرة التي كسرت كل القواعد مثل صبحان آدم. من أراد أن يفهم كيف انتقل الفن السوري من المشهد الانطباعي عند ميشيل كرشة إلى اللوحة الرمزية الكبيرة، فليتأمل مسار نبعة وحده: القاهرة، الملصق، باريس، ثم ذهب دمشق.

المزيد من ملفات الفنانين في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

من هو نذير نبعة باختصار؟

رسام سوري ولد في دمشق عام 1938 وتوفي فيها عام 2016. درس في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ثم في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس، ودرّس لعقود في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. يعد من رواد الحداثة التشكيلية السورية.

بماذا تتميز لوحات نذير نبعة؟

مرحلته المبكرة واقعية ملتزمة ارتبطت بالملصق السياسي والقضية الفلسطينية، ثم تحول منذ السبعينات إلى عالم تصويري خاص: نساء دمشقيات بملامح أيقونية، أزهار، حلي وأقمشة مشغولة بدقة، وخلفيات ذهبية تستدعي الفن التدمري والأيقونات الشرقية.

كم تبلغ أسعار أعماله في المزادات؟

سجل رقمه القياسي الموثق 87,500 دولار عن لوحة «بلا عنوان (ثلاث سيدات)» في مزاد كريستيز دبي عام 2017، وتتداول أعماله الزيتية الكبيرة عادة بعشرات آلاف الدولارات بحسب الحجم والمرحلة.