محمود حماد والتجريد الحروفي

٦ أيلول ٢٠٢٦

قف أمام لوحة حروفية لمحمود حماد من السبعينات وحاول أن تقرأها. ستفشل غالباً، وهذا مقصود. الكلمة موجودة، لكنها ذابت في مساحات لونية متراصة كجدران بيت شامي قديم: الألف صارت عموداً، والحاء قوساً، والنقاط اختفت أو تحولت مربعات صغيرة تضبط إيقاع اللوحة. حماد لم يكن خطاطاً يزخرف، بل مهندساً يبني باللغة.

من دمشق إلى روما

ولد محمود حماد عام 1923، وبدأ مساره واقعياً كأبناء جيله: بورتريهات، مشاهد ريفية، وانخراط مبكر في الحركة الفنية الناشئة وجمعياتها في الأربعينات، حين كانت دمشق تتلمس طريقها الفني على يد رواد مثل ميشيل كرشة.

نقطة التحول الأولى كانت روما. درس حماد في أكاديمية الفنون الجميلة هناك بين 1953 و1957، وتشرّب التعبيرية الأوروبية وصرامة التكوين الأكاديمي. عاد إلى سوريا ودرّس فترة في درعا، حيث شكل مع زملائه ما عرف بثلاثي درعا، وهناك بدأت لوحاته تميل نحو الاختزال: البيوت والحقول تتحول تدريجياً إلى مساحات هندسية.

الاكتشاف: الكلمة بنياناً

في الستينات وقع حماد على منجمه الشخصي: الحرف العربي. لم يكن وحده في هذا الطريق، فالحروفية كانت تتخلق في العراق ومصر والمغرب في الوقت نفسه، لكن نسخة حماد تميزت بشيء محدد: الانضباط الهندسي. عند غيره قد يتلوى الحرف تعبيرياً أو يتناثر شاعرياً؛ عند حماد يقف الحرف كحجر في بناء، تشدّه علاقات دقيقة من التوازن اللوني والكتلة والفراغ.

من الكلمة إلى التجريد: منهج حماد الحروفي

اشتغل على كلمات وعبارات وآيات، يفككها ثم يعيد تركيبها حتى تصير اللوحة قابلة للتأمل لا للقراءة. النتيجة أعمال تجمع حداثة التجريد الأوروبي بجذر بصري إسلامي عميق، وهذا تحديداً ما جعل المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة يقتني أعماله ويوثق سيرته ضمن موسوعته.

العميد

إلى جانب المرسم، كان حماد رجل مؤسسات من الطراز الأول. درّس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق منذ إنشائها، ثم شغل منصب العميد عشر سنوات كاملة من 1970 إلى 1980. تحت إدارته تخرجت أجيال كاملة من التشكيليين السوريين، وكان بين زملائه في التدريس نذير نبعة العائد لتوه من باريس. قلة من الفنانين العرب تركوا أثراً مزدوجاً بهذا الحجم: مدرسة فنية على القماش، ومؤسسة تعليمية على الأرض.

كان حماد أيضاً حفاراً وصمم ميداليات وأعمالاً نقدية، وهي زاوية أقل شهرة في إنتاجه لكنها تفسر حساسيته النحتية للحرف.

إرث موثق بعناية نادرة

توفي حماد عام 1988، لكن أرشيفه من الأفضل حفظاً بين الفنانين السوريين: موقع رسمي تديره العائلة، ومجموعة أرشيفية كاملة لدى مكتبة جامعة نيويورك ضمن أرشيف الفن العربي الحديث، إلى جانب مقتنيات مؤسسة أتاسي التي كرست له ملفات بحثية. للمقتني، هذا التوثيق نعمة: نسبة الأعمال المشكوك فيها أقل بكثير من فنانين آخرين من جيله، والمرجعية متاحة للمقارنة.

سوقياً، تظهر أعماله في مزادات الفن الشرق أوسطي الكبرى، والطلب الأقوى على حروفيات الستينات والسبعينات الزيتية. من يتابع صعود أسعار الرواد السوريين في السنوات الأخيرة - راجع الأرقام القياسية في تاريخ الفن التشكيلي السوري - يلاحظ أن حماد ما يزال يقيّم بأقل من وزنه التاريخي مقارنة بمدرّس وكيالي.

في خريطة الفن السوري، يقف حماد على الحد الفاصل تماماً: بعد جيل التأسيس الذي مثله أدهم إسماعيل بتجريده المبكر، وقبل التعبيرية الجامحة التي وصلت ذروتها لاحقاً عند أمثال صبحان آدم. المزيد من الملفات في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

من هو محمود حماد؟

فنان سوري ولد عام 1923 وتوفي عام 1988. درس في أكاديمية الفنون الجميلة في روما بين 1953 و1957، ودرّس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق منذ تأسيسها ثم شغل منصب عميدها من 1970 إلى 1980. يعد من أبرز رواد التجريد الحروفي عربياً.

ما هي الحروفية في الفن التشكيلي؟

تيار عربي حديث يتخذ من الحرف والكلمة العربية مادة تشكيلية داخل اللوحة، لا نصاً للقراءة بل بنية بصرية. عند حماد تحديداً تتحول الكلمات إلى كتل هندسية متوازنة الألوان، أقرب إلى العمارة منها إلى الخط التقليدي.

أين يمكن رؤية أعمال محمود حماد اليوم؟

في متحف المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، والمتحف الوطني بدمشق، ومجموعات مؤسسة أتاسي ومؤسسة دلول، إضافة إلى أرشيفه الموثق لدى جامعة نيويورك أبوظبي ومعارض استعادية دورية.

محمود حماد والتجريد الحروفي | الفن السوري