مروان قصاب باشي - وجه دمشقي في مرايا برلين
٦ أيلول ٢٠٢٦
في ربيع 1957 وقف شاب دمشقي في الثالثة والعشرين على رصيف محطة، خلفه بلد كامل وأمامه لغة لا يتقنها. كان مروان قصاب باشي قد درس الأدب العربي في جامعة دمشق سنتين، وقرر أن الرسم طريقه. وجهته الأولى كانت باريس، لكن ظروف فرنسا السياسية يومها حوّلته إلى برلين - مصادفة إدارية تقريباً، صارت واحدة من أخصب قصص الفن العربي في القرن العشرين.
تلميذ بين وحوش التعبيرية الجديدة
في المدرسة العليا للفنون التشكيلية في برلين دخل مروان صف الأستاذ هان ترير، وتزامل مع جورج بازليتس وأويغن شونيبك - الأسماء التي ستفجّر التصوير الألماني بعد سنوات. لم يكن ضيفاً على هذا المشهد بل شريكاً في تأسيسه، وهذه نقطة تُنسى كثيراً: مروان جزء من تاريخ الفن الألماني بقدر ما هو جزء من تاريخنا.
أعماله التشخيصية المبكرة في الستينيات حملت وجوهاً وشخصيات من ذاكرته الدمشقية وهموم المشرق - من بينها لوحته الشهيرة «ثلاثة صبية فلسطينيين» (1970) المحفوظة اليوم في مجموعة بارجيل. ثم حدث التحول الكبير في السبعينيات: بدأ الوجه يتمدد على القماش حتى ابتلعه. سماها النقاد «تضاريس الوجه» - جبهة كهضبة، أخاديد بدل التجاعيد، عين كبئر بعيدة. لم يعد مروان يرسم أشخاصاً؛ صار يرسم حالة الإنسان حين يحمل بلداً في ملامحه.
الرأس بوصفه وطناً
من «تضاريس الوجه» إلى «الماريونيتات» ثم سلسلة «الرؤوس» التي شغلته حتى النهاية، ظل السؤال واحداً. الرأس المرسوم بطبقات لونية كثيفة، مرة تلو مرة على مدى عقود، ليس تكراراً بل حفراً في البئر نفسها. سئل كثيراً إن كانت هذه الرؤوس دمشقية أم برلينية، فكان جوابه العملي أن الاثنتين لم تنفصلا يوماً: بقي يكتب بالعربية، ويتابع المشرق، ويستقبل في مرسمه البرليني أجيالاً من الفنانين العرب.
المؤسسة الألمانية اعترفت به مبكراً: أستاذ زائر في المدرسة العليا للفنون في برلين من 1977، ثم أستاذاً مثبتاً من 1980 حتى تقاعده عام 2002، وعضوية أكاديمية الفنون. وحين توفي في برلين في 23 تشرين الأول 2016 نعته الصحافة الألمانية رساماً ألمانياً كبيراً، والعربية رساماً عربياً كبيراً - وكلاهما أصاب.
المرسم المفتوح
لمروان فصل آخر لا تظهره المزادات: المعلم. من 1977 كأستاذ زائر ثم أستاذاً مثبتاً في المدرسة العليا للفنون في برلين حتى 2002، مرّت من صفه أجيال من الطلاب الألمان والعرب. مرسمه البرليني كان محطة شبه إلزامية لكل فنان عربي يمر بالمدينة، ومراسلاته وصداقاته امتدت من دمشق وبيروت إلى برلين وباريس. حين احتاج الفن العربي جسراً إلى قلب أوروبا، كان الجسر شخصاً واحداً اسمه مروان.
عمل بالحفر والطباعة إلى جانب الزيت، ورسم إلى جانب الرؤوس طبيعة صامتة من نوع خاص: الدمى والماريونيتات المرمية التي عاملها بالجدية العاطفية نفسها التي عامل بها الوجه الإنساني. من يريد فهم مشروعه كاملاً لا يكتفي باللوحات الكبيرة؛ أعماله على الورق باب دخول معقول الكلفة لمقتنٍ يبدأ طريقه.
السوق تلحق بالمتاحف
مسار مروان السوقي عكس مسار كثيرين: المتاحف أولاً ثم المزادات. أعماله دخلت بومبيدو وتيت مودرن وشتيدل وغاليري برلين قبل أن تصعد أسعاره العلنية، وهذا عادة أصح ترتيب يطمئن المقتني. رقمه القياسي الحالي 491,200 دولار للوحة «رأس» (1973) في كريستيز لندن في 31 تشرين الأول 2024، وقد رافق ذلك اهتمام متجدد بمعارضه في الغرب والخليج.
قياساً بأرقام مجايليه - لؤي كيالي عند 900 ألف دولار وفاتح المدرس عند 374,500 دولار - يرى متابعون أن أعمال مروان الكبيرة من السبعينيات ما زالت دون قيمتها المتحفية، خصوصاً أن معروضها في السوق نادر. التفاصيل الموثقة في أغلى الأعمال السورية في المزادات.
علامات العمل الناضج لمن يقف أمامه أول مرة: سطح مبني من طبقات لونية متراكمة تجعل الوجه يطفو ويغور في آن، ألوان ترابية وزيتونية تتخللها ومضات حمراء، وحضور للفرشاة يذكّر بأن هذا رسم عن الرسم أيضاً، لا عن الوجه وحده.
لماذا يعنينا اليوم
لأن سؤاله صار سؤال ملايين السوريين بعد 2011: كيف تحمل بلدك في وجهك وأنت بعيد عنه؟ أجيال المنفى الجديدة من الفنانين تقرأ مروان اليوم كما يُقرأ سلف مؤسس، تماماً كما تحاور صفوان داحول العزلة من دبي، وكما تقف سارة شمّا بين لندن ودمشق. الوجه الذي بدأ رحلته من محطة قطار عام 1957 ما زال يشبهنا.
وثمة درس أخير في سيرته يتجاوز الفن: مروان لم يختر بين هويتيه ولم يوزع ولاءه بينهما بالقطارة. عاش ألمانياً كامل الألمانية وعربياً كامل العروبة، ستين عاماً في مدينة واحدة من غير أن يبهت فيه شيء من دمشق. في زمن يُطلب فيه من المهاجر أن يذوب أو ينغلق، تقف أعماله شاهداً على احتمال ثالث - أن يتسع الوجه الواحد لبلدين.
أما من يريد اللقاء المباشر بأعماله من دون سفر بعيد، فمجموعات المنطقة الكبرى - دلول في بيروت، بارجيل في الشارقة، أتاسي - تعرض أعماله دورياً ضمن معارضها المتنقلة، وتنشر كتالوجاتها على الإنترنت لمن أراد تعليم عينه قبل الوقوف أمام الأصل.
بقية ملفات الفنانين في فهرس المقالات.
أسئلة شائعة
لماذا اشتهر مروان بالوجوه والرؤوس؟
منذ السبعينيات كرّس مروان لوحته للوجه الواحد المكبّر حتى يصير مشهداً طبيعياً كاملاً - ما سماه النقاد «تضاريس الوجه». الرأس عنده ليس بورتريهاً لشخص بل خلاصة حال إنسانية: المنفى، الشيخوخة، الذاكرة.
ما الرقم القياسي لأعمال مروان في المزادات؟
491,200 دولار (378 ألف جنيه إسترليني) للوحة «رأس» من عام 1973 بيعت في كريستيز لندن في 31 تشرين الأول 2024.
أين تُعرض أعمال مروان اليوم؟
في مركز بومبيدو بباريس، وتيت مودرن بلندن، ومتحف شتيدل بفرانكفورت، وغاليري برلين (Berlinische Galerie)، إضافة إلى مجموعات عربية كبرى مثل مؤسسة دلول ومؤسسة أتاسي وبارجيل.