سارة شمّا - من دمشق إلى جناح سوريا في بينالي البندقية 2026

٦ أيلول ٢٠٢٦

في باحة مكشوفة من حرم جامعة يواف في البندقية، يرتفع منذ 9 أيار 2026 برج بارتفاع خمسة عشر متراً - إعادة بناء لأحد أبراج تدمر الجنائزية التي فجّرها تنظيم الدولة عام 2015. حوله تصوير وضوء وصوت ورائحة، وداخله سؤال بلد كامل عن موتاه وما نُهب منه. هذا هو «مدفن برج تدمر»، جناح سوريا في الدورة 61 من بينالي البندقية، والاسم الموقّع عليه: سارة شمّا، أول فنانة تقود الجناح السوري في تاريخه.

البذرة في قبو المتحف

القصة أقدم من الحرب. في سنوات دراستها الجامعية كانت شمّا تنزل بانتظام إلى قبو المتحف الوطني بدمشق حيث مدفن تدمري معاد التركيب، وتجلس ترسم المنحوتات الجنائزية: وجوه راحلين نُحتت لتبقى. بعد ثلاثة عقود صارت تلك التمارين نواة أهم تكليف في مسيرتها. المعرض، بتكليف من وزارة الثقافة وتقييم اليابانية يوكو هاسيغاوا، لا يكتفي بالرثاء؛ يرافع علناً لاسترداد الآثار المنهوبة خلال سنوات الحرب، ويستمر حتى 22 تشرين الثاني 2026.

من أين جاءت

ولدت شمّا في دمشق في 26 تشرين الثاني 1975 لأب سوري وأم لبنانية كانت تدير غاليري خاصاً - أي أنها كبرت داخل صالة عرض عملياً، وبدأت الرسم في الرابعة. تخرجت في معهد أدهم إسماعيل ثم في قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1998، ودرّست في المعهد ثلاث سنوات.

مبكراً اختارت طريقاً غير مألوف في جيلها: البورتريه الواقعي المشحون، بتقنية زيتية فيها من مهارة المحترفين القدامى وقتامة تخصها وحدها. الجوائز جاءت تباعاً: المرتبة الأولى في بينالي اللاذقية عام 2001، ثم المرتبة الرابعة في جائزة BP للبورتريه في ناشيونال بورتريت غاليري بلندن عام 2004 - وكانت لحظة الالتفات الدولي الأولى إليها - وجائزة في بينالي فلورنسا عام 2013.

عام 2016 انتقلت إلى لندن بتأشيرة المواهب الاستثنائية، وهناك اتخذ عملها منعطفاً بحثياً: إقامة فنية في كينغز كوليدج لندن عام 2019 داخل معهد الطب النفسي وعلم النفس والأعصاب، وبالتعاون مع مؤسسة هيلين بامبر أجرت مقابلات مطولة مع نساء نجون من العبودية الحديثة، فخرج معرض «العبودية الحديثة» الذي طاف لاحقاً كاتدرائيات بريطانيا. ثم قدمت «أرواح جريئة» في غاليري دالويتش للصور بلندن. الرسم عندها ليس توثيقاً للوجه بل تشريحاً لما تحته.

محطات سارة شمّا: من دمشق 1975 إلى البندقية 2026

ماذا ترى في لوحاتها

أمام بورتريه لشمّا يحدث شيئان متعاكسان في وقت واحد. التقنية تطمئنك: رسم زيتي متمكن، تشريح دقيق، لحم مضيء تحس حرارته. والصورة تقلقك: الوجه يذوب عند حافة ما، جسد ينشطر أو يتضاعف، عيون تنظر إليك من مسافة أبعد من القماش. هذا التوتر بين إتقان قديم ومحتوى مضطرب هو توقيعها الفعلي، وقد اشتغلت عليه في موضوعات ثقيلة بالقصد: الموت والولادة، الحرب، العبودية الحديثة، وأخيراً المدينة المدفونة.

لهذا كان اختيارها لموضوع تدمر منطقياً أكثر مما يبدو. فنانة كرست عملها لما يختبئ تحت الوجه البشري، تنتقل إلى ما يختبئ تحت وجه بلد: المدافن، الأسلاف المنحوتون، الغنائم المسروقة الموزعة في متاحف العالم وأقبيته.

لحظة 2026

توقيت الجناح ليس تفصيلاً. هذه سوريا الجديدة تطل على أهم محفل فني في العالم بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، وتختار أن تطل بفنانة، وبموضوع هو الخسارة الثقافية نفسها. قالت شمّا لصحيفة الآرت نيوزبيبر إن هذه فرصة لن تتكرر - فرصة أن يشارك الفن في إعادة بناء بلد لا في رثائه فقط.

وضمن السردية الأطول التي نرويها في هذا الموقع، تقف شمّا في سلالة واضحة: لؤي كيالي وفاتح المدرس مثّلا سوريا في بينالي البندقية عام 1960، وبعد ستة وستين عاماً تعود البلاد إلى المدينة نفسها بجناح تقوده امرأة. بين الحدثين منفى مروان قصاب باشي البرليني وأحلام صفوان داحول المغلقة - أربعة فصول من قصة واحدة.

داخل البرج الفينيسي لا تعلّق شمّا لوحات على جدار محايد؛ التصوير جزء من جسد العمارة نفسها، والزائر يدخل المدفن كما كان يدخله التدمريون قبل ألفي عام - صعوداً بين رفوف الموتى. الضوء مدروس على إيقاع النهار، والصوت والرائحة يكملان ما لا تقوله الصورة. من البورتريه الفردي إلى بيئة كاملة تحيط بالزائر: هذه أكبر قفزة في مسيرتها، وقد قطعتها من غير أن تتخلى عن أدواتها الأولى.

للمقتني والمتابع

شمّا فنانة حية في ذروة صعودها المؤسسي، وسوقها الأولية تدار عبر معارضها وغاليريهاتها في لندن وبيروت والخليج. القاعدة التي نكررها في دليل أغلى الأعمال السورية تنطبق هنا أكثر من أي مكان: بعد أعوام البينالات الكبرى تتحرك الأسعار، والمرجع الوحيد الصالح هو النتائج الموثقة المنشورة، لا الحماسة.

أما الجناح نفسه فيقع في باحة حرم كوتونيفيتشو التابع لجامعة يواف في حي دورسودورو، خارج موقعي البينالي الرئيسيين في الجارديني والأرسنالي، ويستمر حتى 22 تشرين الثاني 2026 - تفصيل عملي يستحق أن يعرفه من يخطط لزيارة البندقية هذا الخريف.

بقية ملفات الفنانين في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

بماذا تشارك سارة شمّا في بينالي البندقية 2026؟

بمعرض «مدفن برج تدمر» (The Tower Tomb of Palmyra) في جناح سوريا الوطني بالدورة 61، من 9 أيار إلى 22 تشرين الثاني 2026، بتكليف من وزارة الثقافة وتقييم يوكو هاسيغاوا. العمل تجهيز غامر يجمع التصوير والعمارة والضوء والصوت والرائحة حول إعادة بناء برج جنائزي تدمري بارتفاع 15 متراً.

من هي سارة شمّا باختصار؟

رسامة سورية من مواليد دمشق في 26 تشرين الثاني 1975، تخرجت في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1998، نالت جوائز دولية منها المرتبة الرابعة في جائزة BP للبورتريه بلندن عام 2004، وتقيم في لندن منذ 2016.

ما مشروعها عن العبودية الحديثة؟

خلال إقامتها الفنية في كينغز كوليدج لندن عام 2019 بالتعاون مع معهد الطب النفسي وعلم النفس والأعصاب ومؤسسة هيلين بامبر، أجرت شمّا مقابلات مع ناجيات من العبودية الحديثة وحولت شهاداتهن إلى معرض «العبودية الحديثة» الذي جال لاحقاً في بريطانيا.