فاتح المدرس - الأب الذي علّم اللوحة السورية لغتها
٦ أيلول ٢٠٢٦
انظر إلى أي لوحة ناضجة لفاتح المدرس: صفوف من وجوه مربعة متراصة كأنها منحوتة في بازلت، عيون واسعة تحدّق من عمق أيقونة بيزنطية، وألوان أرضية كأنها أُخذت من طين قرى الشمال بعد المطر. هذه اللغة لم تكن موجودة في التصوير العربي قبله. صنعها رجل ولد عام 1922 في حريتان قرب حلب، ومات في دمشق عام 1999 وقد صارت طريقته مدرسة.
من الريف إلى روما
بدأ المدرس عصامياً، يعلّم نفسه الرسم الواقعي في حلب قبل أن تجذبه السوريالية في الأربعينيات. الطفولة الريفية القاسية - فقد والده صغيراً وعاش قريباً من فلاحي الشمال - بقيت مخزونه البصري الأول: الأرض، الأم، القديس، الضحية. حين حصل على فرصة الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في روما خرج من إيطاليا بعدة الحداثة الأوروبية كاملة، لكنه استعملها على موضوع لم يغادره قط.
عام 1960 مثّل سوريا في بينالي البندقية مع لؤي كيالي، وكانا معاً واجهة الجيل الذي أخرج التصوير السوري من القاعات المحلية إلى المشهد الدولي. ثم أكمل دراسته العليا في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس حتى عام 1972، وعاد إلى دمشق ليتولى التدريس في كلية الفنون الجميلة وعمادتها لاحقاً، حيث بقي حتى 1993 أستاذاً يمر من تحت يده كل من سيصير شيئاً في الفن السوري.
ماذا غيّر المدرس تحديداً؟
قبل المدرس كان أمام الرسام السوري طريقان: أكاديمية أوروبية مستعارة، أو استشراق داخلي يرسم البلد كبطاقة بريدية. المدرس فتح طريقاً ثالثاً - أن تكون حداثياً بمواد محلية. أخذ من الأيقونة السريانية والبيزنطية تسطيحها وقدسية الوجه المواجه، ومن منحوتات تدمر ورافدين ثباتها الحجري، ومن حكايات الريف قسوتها وحنانها، وضغط ذلك كله في سطح تصويري واحد كثيف.
النتيجة أن اللوحة عنده ليست منظراً بل جماعة: وجوه متلاصقة تتقاسم المساحة كما تتقاسم العائلات المعزّية غرفة واحدة. النقاد قرؤوا فيها القرية، والطائفة، والوطن المحشور في حدوده - وكلها قراءات تصح لأن الشكل نفسه شكل تضامن.
الرجل خارج اللوحة
من التقى المدرس في مرسمه الدمشقي يعرف أن اللوحة لم تكن كل مشروعه. كتب القصة والشعر، وجادل في الفلسفة والموسيقى، وحوّل حصصه في كلية الفنون إلى مجالس مفتوحة يخرج منها الطالب بأسئلة أكثر مما دخل. هذه الشخصية الموسوعية جزء من تفسير حضوره الطاغي: لم يعلّم جيلاً كيف يرسم، بل علّمه كيف يفكر في معنى أن يرسم سورياً.
وفي زمن الأيديولوجيات الصاخبة حافظ على مسافة لافتة. لوحته منحازة للفقراء والمنسيين بلا شعار واحد؛ الضحية عنده وجه محدّق لا ملصق سياسي. ولعل هذا ما جعل أعماله تقاوم الزمن بينما شاخت أعمال كثيرة أعلى صوتاً.
المعلم وسوقه
أثر المدرس لا يقاس بلوحاته وحدها بل بطلابه. عقود من التدريس في دمشق جعلت منه المرجع الذي تخرّج عليه جيل السبعينيات والثمانينيات بأكمله، ومنهم من حمل الهم التعبيري نفسه إلى مناطق جديدة كما فعل صفوان داحول في سلسلة «حلم». حتى الذين غادروا مبكراً مثل مروان قصاب باشي ظلوا يتحاورون مع السؤال الذي ثبّته المدرس: كيف يكون الوجه وطناً؟
في السوق، سجل المدرس رقمه القياسي مبكراً نسبياً: 374,500 دولار للوحة غير معنونة في كريستيز دبي عام 2010، أيام كانت دبي تكتشف الفن السوري الحديث. ومع موجة الاهتمام الخليجي الجديدة التي رفعت كيالي إلى 900 ألف دولار عام 2025، يتوقع متابعو السوق أن أعمال المدرس الكبيرة الموثقة مرشحة لإعادة تسعير - أعماله معروضة في المتحف البريطاني ومتحف الدوحة، والمعروض الجيد منها في السوق قليل. جرد الأرقام الموثقة كلها في أغلى الأعمال السورية في المزادات.
التوزع المتحفي لأعماله يستحق وقفة. قلة من الفنانين العرب الحديثين دخلوا المتحف البريطاني، والمجموعات المؤسسية التي تقتنيه - من الدوحة إلى بيروت وعمّان - تعني أن كمية وازنة من إنتاجه خرجت من التداول نهائياً. حين يقل المعروض ويثبت الطلب المؤسسي، يعرف قارئ الأسواق كيف تنتهي المعادلة عادة.
كيف تقرأ لوحة مدرس
ثلاث علامات تميز العمل الناضج: الوجوه المربعة المتراصة بعيون واسعة، السطح الترابي الكثيف الذي يبدو محفوراً لا مرسوماً، والتوقيع العربي الواضح. الأعمال المبكرة الواقعية والسوريالية موجودة لكنها أقل طلباً من أعمال الستينيات وما بعدها. وكقاعدة في هذا السوق: المصدر الموثق أولاً، ثم كل شيء آخر.
خذ وقتك أمام اللوحة قبل قراءة بطاقتها. أعمال المدرس الجيدة تُقرأ على مسافتين: من بعيد كتلة واحدة متراصة كجدار كنيسة قديمة، ومن قريب تفاصيل صغيرة مدسوسة بين الوجوه - طير، هلال، يد ممدودة، طفل بحجم إبهام. هذه الطبقة الثانية هي التي تفصل العمل الأصيل الغني عن التقليد الذي يلتقط الشكل العام ويفوّت الروح. والمقارنة مع أعمال موثقة منشورة في كتالوجات المتاحف والمؤسسات التي تقتنيه خير معلّم للعين المبتدئة.
بقي أن أعماله لم تغادر البيوت السورية يوماً؛ نسخها المطبوعة علّقت في صالونات دمشق وحلب لعقود، ووجوهه المتراصة صارت جزءاً من الذاكرة البصرية المشتركة حتى عند من لا يعرف اسمه. قليلون ينالون هذا النوع من الخلود المزدوج: المتحف والبيت معاً.
ملفات بقية الرواد في فهرس المقالات.
أسئلة شائعة
لماذا يوصف فاتح المدرس برائد الحداثة السورية؟
لأنه أول من صهر الموروث المحلي - الأيقونة، الفن الرافدي، حكايات الريف - في لغة تشكيلية حديثة متأثرة بالسوريالية، ثم نقل هذا المنهج إلى أجيال كاملة من طلابه في كلية الفنون الجميلة بدمشق حيث درّس وتولى العمادة.
كم بلغ الرقم القياسي لأعمال المدرس في المزادات؟
374,500 دولار للوحة غير معنونة بيعت في كريستيز دبي عام 2010، وهو من أوائل الأرقام الكبيرة التي سجلها الفن السوري الحديث في المزادات الدولية.
أين توجد أعمال المدرس في المتاحف؟
في المتحف البريطاني بلندن، ومتحف: المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، والمتحف الوطني بدمشق، ومجموعات وزارة الثقافة السورية ومؤسسة دلول في بيروت وغيرها.