صفوان داحول - أربعون عاماً من «حلم» واحد

٦ أيلول ٢٠٢٦

امرأة منحنية على نفسها، عيناها مغمضتان أو مطفأتان، كتفاها يحيطان بفراغ على شكل غياب. أبيض وأسود ورمادي، وهندسة صارمة تحبس الجسد في إطار أضيق منه بقليل. من رأى لوحة واحدة لصفوان داحول يتعرف على البقية من الغرفة المجاورة - وهذا بالضبط مشروعه: لوحة واحدة تتناسل منذ أربعين عاماً، اسمها «حلم»، يتغير رقمها ولا يتغير سؤالها.

من حماة إلى مونس

ولد داحول في حماة عام 1961، وتدرب في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق على يد جيل الحداثيين الكبار - المناخ الذي صنعه فاتح المدرس وزملاؤه كان لا يزال هواء الكلية الذي يتنفسه كل طالب. سافر بعدها إلى بلجيكا ونال الدكتوراه من المعهد العالي للفنون التشكيلية في مونس، ثم عاد إلى دمشق ليدرّس في الكلية نفسها ويصير أحد أعمدة مشهدها في التسعينيات والألفين.

البدايات الأوروبية لم تجرّه إلى التجريد الخالص. خرج منها بعكس ذلك: اقتصاد لوني شديد، وثقة بأن الشكل الإنساني الواحد يكفي موضوعاً لعمر كامل.

سنوات التدريس في دمشق جعلته بدوره حلقة في السلسلة التي بدأها الرواد: أستاذ يمر طلابه من مرسمه كما مرّ هو من مراسم أساتذته، وركن ثابت في مشهد التسعينيات الدمشقي الذي كان يغلي بهدوء قبل العاصفة. من يؤرخ للفن السوري المعاصر يجد داحول عند كل مفصل تقريباً - معلماً، وعارضاً، ثم منفياً يحمل المشهد كله في حقيبته.

«حلم» بوصفه سيرة

بدأت السلسلة أواخر الثمانينيات وفيها قدر معلن من السيرة الذاتية. المرأة النائمة المنطوية ليست شخصاً محدداً بقدر ما هي مقياس داخلي: كلما ضاقت الحياة انحنت أكثر. في سنوات الفقد الشخصي صارت اللوحات أشد عتمة، وبعد 2011 دخلت مفردات الحرب من غير مشهدية - لا دم ولا ركام، بل جسد يزداد انضغاطاً وفضاء يزداد إغلاقاً. النقاد يضعون السلسلة بين أكثر أجساد العمل تميزاً في الفن العربي المعاصر، وهي أيضاً حلقة الوصل الأوضح بين الحداثة السورية وجيل ما بعدها.

عام 2012 غادر داحول دمشق إلى دبي بمساعدة غاليري أيام ضمن موجة رحيل كبار الفنانين السوريين، وواصل السلسلة من منفاه الخليجي. الحلم تغيّر عنوانه الجغرافي ولم يتغير مناخه.

محطات سلسلة «حلم»: من دمشق إلى دبي

كيف تعمل اللوحة

قرب أي «حلم» تكتشف أن البساطة الظاهرة صناعة دقيقة. السطح مبني بطبقات رقيقة تعطي الرمادي عمقاً لا تعطيه الصورة المطبوعة أبداً، والجسد الأنثوي مرسوم بتحوير هندسي واعٍ: أصابع مستطيلة، عنق ممدود، عين مغلقة كقوس. كثيرون يرون في هذا التحوير حواراً مع الفن المصري القديم وجداريات المشرق، وآخرون يقرؤون فيه ذاكرة الأيقونة التي ورثها جيله عن مناخ المدرس وزملائه. القراءتان تصحان معاً، وهذا من أسرار جاذبية السلسلة: حديثة تماماً وقديمة تماماً في اللحظة نفسها.

اللافت أيضاً انضباط المشروع. لا ألوان صارخة تستجدي الانتباه، لا تنويع موضوعات يرضي السوق، لا استعراض تقني خارج الحاجة. أربعون عاماً على قماشة واحدة تقريباً، والنتيجة أن بصمته من أوضح البصمات في الفن العربي كله - تعرفها من غير توقيع.

الأرقام

سوق داحول من أنضج أسواق الفنانين السوريين الأحياء. رقمه القياسي 257 ألف دولار للوحة «حلم» في كريستيز دبي عام 2014، وأعماله حاضرة بانتظام في مزادات المنطقة - آخرها «حلم 72» في مزاد سوذبيز الافتتاحي في السعودية في شباط 2025، المزاد نفسه الذي حطم فيه لؤي كيالي الرقم القياسي السوري بـ900 ألف دولار.

للمقتني الجديد ملاحظتان. الأولى أن غاليري أيام هو القناة الأولى لأعماله الجديدة، والسوق الثانوية (كريستيز وسوذبيز وبونهامز) هي مرجع التسعير الموثق - قارن دائماً بالنتائج المنشورة لا بالكلام، وستجد جردها في أغلى الأعمال السورية في المزادات. والثانية أن قيمة السلسلة في تماسكها؛ اللوحات الكبيرة المحكمة من ذروة كل مرحلة تتقدم سعرياً على ما سواها.

حضوره المؤسسي يوازي حضوره السوقي: أعماله في مجموعات عامة وخاصة كبرى في المنطقة، من مؤسسة دلول في بيروت إلى مقتنيات متاحف الخليج، ومعارضه الفردية في دبي وبيروت ولندن تتابعت على مدى ثلاثة عقود من غير انقطاع يذكر.

لماذا يشبهنا هذا الحلم

بين وجوه مروان قصاب باشي المحفورة في برلين وامرأة داحول المغمضة في دبي قرابة واضحة: كلاهما اختصر المنفى في جسد واحد. وحين تفتح سارة شمّا عام 2026 جناح سوريا في بينالي البندقية، يكون جيلها قد ورث عن داحول درساً بسيطاً وقاسياً: التكرار ليس فقراً في الخيال، بل وفاء للسؤال الذي لا جواب له.

في المقابلات القليلة التي يمنحها، يتحدث داحول عن السلسلة بوصفها ضرورة لا خطة: اللوحة التالية تولد من نقص في اللوحة السابقة، والرقم الجديد ليس إلا اعترافاً بأن الحلم لم يكتمل بعد. من هنا تأتي نصيحتنا الأخيرة لمن يقف أمام «حلم» للمرة الأولى في غاليري أو مزاد: لا تسأل ماذا تعني اللوحة، اسأل في أي لحظة من السيرة وقعت. رقمها سيجيبك.

بقية الملفات في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

ما هي سلسلة «حلم» لصفوان داحول؟

مشروع مستمر منذ أواخر الثمانينيات: لوحات مرقمة بعنوان واحد (Rêve/حلم) تدور حول امرأة منحنية مغمضة العينين في فضاء مغلق، بلوحة ألوان تكاد تنحصر بالأبيض والأسود والرمادي. السلسلة شبه سيرة ذاتية وتتناول العزلة والفقد والانتظار.

كم بلغ الرقم القياسي لأعماله في المزادات؟

257 ألف دولار للوحة «حلم» (Rêve) بيعت في كريستيز دبي عام 2014، وهو من أعلى الأرقام المسجلة لفنان سوري معاصر على قيد الحياة، وعُرضت لوحة «حلم 72» ضمن مزاد سوذبيز الافتتاحي في السعودية عام 2025.

أين يعيش داحول ومع أي غاليري يعمل؟

غادر دمشق إلى دبي عام 2012 مع اشتداد الحرب بمساعدة غاليري أيام الذي يمثله منذ سنوات طويلة، وما زال يقيم ويعمل في دبي.

صفوان داحول - أربعون عاماً من «حلم» واحد | الفن السوري