لؤي كيالي - من مشاحف حلب إلى 900 ألف دولار في الرياض

٦ أيلول ٢٠٢٦

مساء 8 شباط 2025، في قاعة مزادات أقيمت للمرة الأولى في الدرعية قرب الرياض، رفعت مطرقة سوذبيز على لوحة زيتية من عام 1965: نسوة وأطفال محمّلون بما تبقى من بيوتهم، يمشون إلى وجهة لا يعرفها أحد. «ثم ماذا؟» للؤي كيالي. بدأت المزايدة وطالت، وحين استقرت كان الرقم 900 ألف دولار - أعلى سعر يُدفع في مزاد علني للوحة سورية حتى ذلك التاريخ، وقفزة تفوق 150% عن رقم كيالي القياسي السابق.

السؤال الذي يطرحه هذا الرقم ليس عن السوق فقط. من هو الرسام الذي انتظر العالم نصف قرن بعد رحيله ليدفع فيه هذا الثمن؟

فتى حلب

ولد لؤي كيالي في حلب في 20 كانون الثاني 1934. بدأ الرسم في الحادية عشرة، وأقام معرضه الفردي الأول وهو ابن ثمانية عشر عاماً - وهذا وحده يقول شيئاً عن المدينة التي احتضنته قبل أن تعرفه العواصم. نال منحة من وزارة المعارف ليدرس التصوير في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، وهناك صقل خطه: رسم أكاديمي متين تحته عاطفة لا تهدأ.

عام 1960 مثّل سوريا في الدورة الثلاثين من بينالي البندقية جنباً إلى جنب مع فاتح المدرس، وكان ذلك أول حضور رسمي وازن للتصوير السوري الحديث في المحفل الأوروبي الأهم. عاد كيالي ليدرّس في دمشق، لكن موضوعه الحقيقي بقي في الشارع: بائع اليانصيب، ماسح الأحذية، بائعة الجرائد، الصياد المنهك. وجوه يرسمها بخطوط قليلة حاسمة على خلفيات شبه فارغة، غالباً على لوح المازونيت لا على القماش.

لوحة النكبة

«ثم ماذا؟» ليست لوحة منفردة بل ذروة سلسلة أنجزها كيالي عام 1965 عن مأساة التهجير الفلسطيني. وصفتها سوذبيز بأنها مشهد نازحين مرسوم بإحساس مبكر ينذر بما هو آت. العنوان نفسه سؤال معلّق: خرج هؤلاء من ديارهم، ثم ماذا؟ لم يكن السؤال بلاغياً عند كيالي؛ فقد عرضها ضمن معرض متنقل واحتج بفنه قبل أن يحتج غيره بالبيانات.

هشاشة الفنان كانت بحجم حساسيته. أحرق عدداً من أعماله في لحظة يأس أواخر الستينيات، وتنقّل بين الانكفاء والعودة إلى المرسم، حتى توفي في مطلع عام 1978 عن أربعة وأربعين عاماً. ترك وراءه عملاً محدود الكمية، مركّز الأثر - وهذه الندرة نفسها صارت لاحقاً وقود سوقه.

عودته في سنواته الأخيرة أنتجت بعض أجمل أعماله وأكثرها هدوءاً: صيادو جبلة، البحر، السلال، الوجوه المتعبة التي تنظر إلينا مباشرة بلا اتهام. لوحة «صبي الصياد» (1976) التي حملت رقمه القياسي السابق تنتمي إلى هذه المرحلة المتأخرة تحديداً، وكأن السوق نفسها تقرّ بأن آخر سنواته لم تكن أفولاً.

مسار لؤي كيالي: من حلب 1934 إلى الرقم القياسي 2025

كيف صعد الرقم

سوق كيالي لم تقفز فجأة. تدرّجت: أسعار بعشرات الآلاف في مزادات دبي ولندن خلال العقد الماضي، ثم «صبي الصياد» (1976) بـ341,200 دولار في بونهامز لندن في حزيران 2024، ثم انفجار الدرعية بعدها بثمانية أشهر. المشترون الخليجيون الجدد، ودخول المؤسسات السعودية والقطرية على خط الاقتناء، ووضوح مكانة كيالي في السردية العربية الحديثة - كلها اجتمعت في ليلة واحدة.

لمن يتابع السوق: الرقم القياسي لا يعني أن كل عمل بتوقيع كيالي يساوي مئات الآلاف. الأعمال الكبيرة ذات الموضوع الاجتماعي الصريح والمصدر الموثق (بروفينانس واضح من مجموعات معروفة) هي التي تتصدر، بينما تباع التخطيطات والأعمال الصغيرة بأسعار أدنى بكثير. قراءة نتائج المزادات الموثقة قبل أي شراء ليست ترفاً - راجع دليلنا لأغلى الأعمال السورية المباعة في المزادات في هذا المقال.

كيف تتعرف على لوحة كيالي

عين المتابع تلتقط أسلوبه من بعيد، لكن للمقتني الجديد علامات عملية. المادة أولاً: فضّل كيالي الرسم بالزيت على ألواح المازونيت المضغوطة، وهي خامة قليلة الاستخدام عند مجايليه وتكاد تكون بصمته التقنية. ثم التكوين: شخصية واحدة أو اثنتان في المركز، خلفية بلون واحد شبه مسطح، وخط خارجي حاسم يحدّ الجسد كما تحدّ الأيقونة قديسها. أما الموضوع فدائرة مغلقة يعرفها محبوه: الباعة الصغار، الصيادون، الأمهات، أطفال الشوارع، وسلة الفاكهة في طبيعاته الصامتة.

الحذر واجب في هذه السوق بالذات. صعود الأسعار بعد 2024 جرّ معه محاولات تقليد، والعمل غير الموثق مهما بدا مقنعاً يحتاج رأي خبير وفحص مصدر قبل أي دفع. القاعدة الذهبية: سلسلة ملكية تبدأ من مجموعة معروفة أو معرض موثق، أو لا صفقة.

مكانه بين أبناء جيله

يوضع كيالي عادة في مثلث التأسيس السوري مع فاتح المدرس صاحب التجريب الأسطوري، ومروان قصاب باشي الذي أخذ الوجه الإنساني إلى برلين وحفر فيه حتى النهاية. الثلاثة وُلدوا في مدى اثني عشر عاماً، وثلاثتهم اليوم في المتاحف والمزادات الدولية. لكن كيالي يبقى الأقرب إلى قلب الجمهور السوري العريض؛ لوحاته تُقرأ بلا وسيط، وحزنها حزن مألوف.

وامتد الأثر إلى الأجيال التالية: من الصعب ألا ترى في صمت شخصيات صفوان داحول ووحدتها صدى بعيداً لعزلة شخصيات كيالي، وإن اختلفت اللغة تماماً.

لمزيد من ملفات الفنانين والسوق، تصفح فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

ما هي أغلى لوحة للؤي كيالي؟

لوحة «ثم ماذا؟» (1965) التي بيعت بـ900 ألف دولار في مزاد سوذبيز الافتتاحي في الدرعية قرب الرياض في 8 شباط 2025، متجاوزة رقمه القياسي السابق «صبي الصياد» (341,200 دولار في بونهامز 2024) بفارق يقارب 559 ألف دولار.

بماذا اشتهر لؤي كيالي؟

بلوحاته عن الناس العاديين: باعة اليانصيب، ماسحو الأحذية، الصيادون، الأمهات. أسلوبه يجمع الواقعية بالتعبيرية بخطوط حادة وخلفيات شبه خالية، وغالباً على ألواح المازونيت بدل القماش.

أين يمكن رؤية أعمال كيالي اليوم؟

في المتحف الوطني بدمشق ومجموعات خاصة ومؤسسية عربية أبرزها مجموعة مؤسسة أتاسي، إضافة إلى ما يظهر دورياً في مزادات سوذبيز وكريستيز وبونهامز المخصصة لفن الشرق الأوسط.