كلية الفنون الجميلة بدمشق - المشغل الذي خرّج أجيال التشكيل
٦ أيلول ٢٠٢٦
في خريف 1960 دخل طلاب دمشقيون قاعات معهد جديد لم يكن في سوريا كلها ما يشبهه: المعهد العالي للفنون الجميلة. الأساتذة الذين استقبلوهم كانوا مصريين في معظمهم - عميد أول هو حسين فوزي، وأمين عاصم مؤسساً لقسم النحت، وعباس شهدي أستاذاً أول للتصوير. لم يكن في البلد بعدُ من يملك الشهادات الأكاديمية الكافية ليعلّم، فاستُعير الجيران ريثما يعود المبتعثون من روما وباريس.
عادوا سريعاً. وخلال عقد واحد تحوّل المعهد من مشروع حكومي مستعار الكادر إلى قلب التشكيل السوري النابض، وما زال كذلك بعد خمسة وستين عاماً.
من معهد وزارة إلى كلية جامعة
لم يكن قرار التأسيس معزولاً بل جزءاً من ورشة دولة كاملة: وزارة ثقافة فتية أنشأت مديرية للفنون الجميلة تولاها عفيف بهنسي منذ 1962، ومقتنيات رسمية بدأت تتشكل، ومعارض دورية تحتاج من يغذيها. القفزة الإدارية جاءت عام 1963 حين ضُم المعهد إلى جامعة دمشق وصار كلية الفنون الجميلة، بأقسام للتصوير والحفر والنحت والتصميم الداخلي. القفزة الفعلية جاءت مع تسلّم الجيل السوري العائد من أوروبا مقاليد التدريس: محمود حمّاد رئيساً لقسم الحفر منذ 1960، وفاتح المدرّس أستاذاً منذ عودته من روما عام 1961، ولؤي كيالي مدرّساً للرسم بعد تخرجه من الأكاديمية نفسها.
حين صار حمّاد عميداً عام 1970 أطلق أهم مشروع عمراني في تاريخ الكلية: مبناها الحالي في حي البرامكة. وتعاقب على العمادة بعده كبار، بينهم المدرّس نفسه الذي ظل في موقعه الأكاديمي حتى 1993. ومن موقعها الجامعي هذا أشرفت الكلية عملياً على تشكيل الذائقة السورية: من يدرّس فيها يحدد ما يُحسب فناً جاداً، ومن يتخرج منها يحمل ختمها إلى الصالات.
لم تكن الكلية وحدها في المنظومة. تحتها اشتغلت معاهد إعداد أصغر، أشهرها مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق، الذي مرّ به كثير من الموهوبين مراهقين قبل بوابة البرامكة - سارة شمّا تخرّجت منه عام 1995 قبل أن تدخل الكلية، ثم عادت إليه مدرّسة ثلاث سنوات بعد تخرجها. منظومة تغذية كاملة، من ورشة الحي إلى القاعة الجامعية.
مشغل لا مدرسة واحدة
اللافت أن الكلية لم تفرز أسلوباً موحداً. في الممر نفسه كان الطالب يمر بمرسم المدرّس ووجوهه الأيقونية، وقاعة حمّاد وتجريده الحروفي، ودروس إلياس الزيات المسكونة بالأيقونة البيزنطية. هذا التنافر الخصب هو ما جعلها مشغلاً بالمعنى الحرفي: مكاناً تتعلم فيه الصنعة ثم تخرج لتخالف أساتذتك.
هذا التعدد لم يكن مصادفة بل سياسة: الكلية جمعت منذ البداية خريجي روما وباريس والقاهرة في هيئة تدريس واحدة، فدخل الطالب على ثلاث مدارس أوروبية وعربية دفعة واحدة، وخرج مضطراً لاختيار طريقه الخاص بينها.
والدليل في أجيالها. صفوان داحول تخرّج عام 1983 على يد حمّاد والزيات ثم بنى مشروعه «حلم» على نقيض حروفية أستاذه تماماً. سارة شمّا تخرّجت عام 1998 وذهبت نحو بورتريه نفسي قاتم لا يشبه أياً من معلميها، وهي اليوم ممثلة سوريا في بينالي البندقية 2026. ونذير نبعة، الذي درس في القاهرة ثم درّس في الكلية عقوداً، خرّج بدوره أجيالاً كاملة - سيرته في مقال مستقل.
سنوات الحرب: مقاعد فارغة
بعد 2011 عاشت الكلية أقسى فصولها. أساتذة وطلاب توزعوا على المنافي، والتدريس استمر تحت القصف وانقطاع الكهرباء، وصفوف كاملة تخرّجت مباشرة إلى المطارات. تقارير التعليم العالي في منتصف الحرب وصفت كليةً تعمل بكادر منزوف وطلاب يعبرون خطوط تماس للوصول إلى محترفاتهم. ومع ذلك لم تغلق أبوابها يوماً - وهي حقيقة يذكرها خريجو تلك السنوات بمرارة وفخر معاً.
المفارقة أن قيمة الشهادة لم تنخفض في الغياب بل ارتفعت: في برلين وباريس صار خريجو البرامكة يعرّفون أنفسهم بها، وصارت شبكة الخريجين في المنفى امتداداً غير رسمي للكلية نفسها. أثر تلك المرحلة على الفن السوري كله في مقال الفن السوري في سنوات الحرب.
لماذا تهم الكلية المقتني اليوم؟
افتح أي كتالوج مزادات شرق أوسطي وستجد العبارة تتكرر: «تخرّج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق». الشهادة ليست ضماناً للقيمة، لكنها خيط النسب الذي يربط الأسماء الكبيرة بعضها ببعض: المدرّس درّس فيها وبيعت لوحته بـ374,500 دولار في كريستيز دبي 2010، وكيالي درّس فيها وحطم الرقم السوري بـ900 ألف دولار في سوثبيز 2025. حتى مروان قصاب باشي، الذي غادر قبل تأسيسها إلى برلين، ظل مرتبطاً بأجيالها حواراً ومراسلة ومعارض مشتركة.
ولعل أبلغ اختبار لمكانة الكلية هو سؤال بسيط: ماذا كان سيبقى من التشكيل السوري لو لم تؤسس؟ أسماء فردية لامعة بلا شك، لكن بلا الجسد المتصل الذي يجعل من الأفراد تاريخاً. المؤسسات هي التي تحوّل الموهبة إلى حركة، والحركة إلى سوق، والسوق إلى ذاكرة.
من يريد فهم التشكيل السوري يستطيع البدء من أي مكان - لكنه سينتهي حتماً عند بوابة البرامكة. للتوسع في السياق الكامل اقرأ تاريخ الفن التشكيلي السوري في قرن أو تصفح بقية المقالات.
أسئلة شائعة
متى تحوّل المعهد العالي إلى كلية جامعية؟
افتُتح المعهد العالي للفنون الجميلة عام 1960 تابعاً لوزارة التربية، وضُم إلى جامعة دمشق عام 1963 ليصبح كلية الفنون الجميلة. مبنى الكلية الحالي في البرامكة بدأ بناؤه في عهد عمادة محمود حمّاد بعد 1970.
من درّس في الكلية من كبار الفنانين؟
محمود حمّاد رئيساً لقسم الحفر ثم عميداً (1970-1980)، وفاتح المدرّس الذي درّس فيها منذ عودته من روما عام 1961 وتولى عمادتها لاحقاً، ولؤي كيالي أستاذاً للرسم، إضافة إلى إلياس الزيات ونذير نبعة وغيرهم.
هل ما زالت شهادة الكلية مؤثرة في سوق الفن؟
نعم بشكل ملموس: معظم الأسماء السورية المتداولة في مزادات الشرق الأوسط - من صفوان داحول إلى سارة شمّا - تخرّجت من الكلية، وسيرة الفنان في كتالوجات المزادات تذكر الكلية وسنة التخرج بندا أساسياً.