المشهد التشكيلي السوري بعد 2024 - العودة إلى دمشق

٦ أيلول ٢٠٢٦

في ربيع 2025 وقف زوار دمشقيون داخل مبنى «مسار» المهجور وسط العاصمة أمام أعمال 29 فناناً سورياً شاباً. المعرض اسمه «طريق»، نظمته مؤسسة مدد للفنون، وكان أول حدث تشكيلي كبير في دمشق منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024. المبنى نفسه كاد يُستولى عليه بعد أسابيع من التحرير على يد مجموعة مسلحة، فاحتجت الأوساط الفنية علناً حتى أُعيد. هكذا بدأ الفصل الجديد للتشكيل السوري: فرحة عودة حقيقية، وهشاشة ما زالت تحرسها أصوات الناس لا مؤسسات القانون.

اتجاه معاكس للبوصلة

طوال ثلاثة عشر عاماً كان سهم الحركة يشير إلى الخارج - كما فصّلنا في سنوات الشتات. منذ كانون الأول 2024 انعكس الاتجاه. أوضح الأمثلة سارة شمّا: خريجة كلية الفنون الجميلة عام 1998، غادرت إلى لندن عام 2016 بتأشيرة المواهب الاستثنائية، ثم حزمت مرسمها وعادت نهائياً إلى دمشق في أواخر 2024، قبل أسابيع من التحول الكبير. عودتها لم تكن رمزية فقط - بعد أشهر جاء الإعلان الذي وضع اسمها في صدارة المشهد.

تدمر في البندقية

في بينالي البندقية الحادي والستين (9 أيار - 22 تشرين الثاني 2026) تقف سوريا لأول مرة في تاريخها بجناح وطني لفنان منفرد - وهو تحول عن صيغة الأجنحة السورية السابقة التي كانت تجمع فنانين سوريين مع ضيوف دوليين. شمّا شيّدت في الباحة المفتوحة لجامعة إيواف (Iuav) في البندقية إعادة بناء لبرج جنائزي تدمري بارتفاع خمسة عشر متراً، يُرى من الماء قبل الوصول، ويضم 18 لوحة جديدة مع صوت وضوء ورائحة، بتقييم اليابانية يوكو هاسيغاوا وتكليف من وزارة الثقافة. العمل، «المدفن البرجي في تدمر»، يحاجج أيضاً باسترداد الآثار المنهوبة خلال سنوات الحرب - بيان سياسي وفني معاً، موجه إلى العالم من بلد يعيد تقديم نفسه.

المدينة تفتح أبوابها

على الأرض، تتراكم إشارات التعافي واحدة فوق الأخرى. معرض دمشق الدولي - الحدث الجماهيري الأكبر في البلاد منذ 1954 - عاد بدورته الـ62 في 27 آب 2025 بعد توقف ست سنوات، بمشاركة 800 شركة وتحت شعار «سوريا ترحب بالعالم»، ثم افتُتحت الدورة 63 في آب 2026 بمشاركة نحو 60 دولة. «الخان» في الشارع المستقيم عاد فضاءً ثقافياً بعد أن ظل حلماً مؤجلاً نحو عقدين. وأسماء الصالات التاريخية، وفي مقدمتها أتاسي التي أغلقت أبوابها الدمشقية مع اندلاع الثورة عام 2011، تعود إلى الحديث عن حضور داخل البلد لا حوله.

خط زمني لمحطات العودة منذ كانون الأول 2024

شمّا نفسها لخصت المعنى في حديثها لصحيفة الفن الدولية عشية الافتتاح: هذه فرصة لن تتكرر - فرصة أن يشارك الفنان في إعادة بناء بلده لا أن يكتفي بتوثيق خرابه. وبين برجها التدمري في البندقية ومرسمها العائد إلى دمشق خط واحد مستقيم.

ما الذي لم يُحل بعد؟

الصورة ليست وردية بالكامل، ومن يكتب عن هذه المرحلة بصيغة الانتصار يخونها. البنية التحتية الفنية منهكة: كلية الفنون الجميلة خرجت من الحرب بكادر منزوف، والمتحف الوطني تعرّض لسرقة قطع أثرية في 2025، والاقتصاد بالكاد يحمل سوقاً محلية للفن. معظم القوة الشرائية للفن السوري ما زالت خارجية - في مزادات لندن ودبي والرياض التي سجلت أرقامها القياسية بعيداً عن دمشق، من رقم لؤي كيالي (900 ألف دولار، شباط 2025) إلى مزاد بونهامز الذي تجاوز 3.2 مليون جنيه في تشرين الثاني 2025.

والشتات نفسه لن يعود كله. جيل كامل بنى حياته ومراسمه في برلين وباريس، وستبقى العلاقة مع الوطن علاقة جسر لا عودة نهائية - على غرار مروان قصاب باشي الذي ظل سورياً في برلين ستين عاماً. الأرجح أن المشهد القادم سيكون ثنائي القطب: دمشق مركزاً للإنتاج والذاكرة، وعواصم الشتات مراكز للسوق والتوزيع، والفنانون يتحركون بين الضفتين بجوازات أثقل من حقائبهم.

ما الذي يستحق المراقبة؟

لمن يتابع هذا المشهد اقتناءً أو اهتماماً، ثلاثة خيوط تستحق العين. الأول: جيل معرض «طريق» - تسعة وعشرون اسماً شاباً عُرضوا معاً في لحظة تأسيسية، وبعضهم سيكون نجوم العقد القادم بأسعار اليوم. الثاني: حركة المؤسسات العائدة، من الخان إلى برامج المؤسسات الخاصة، لأن عودة البنية التحتية تسبق عادة عودة السوق. الثالث: أثر جناح البندقية على التسعير - العروض المنفردة الوطنية ترفع تاريخياً حضور فناني بلدها في المزادات التي تليها.

لحظة تأسيس ثانية

مع ذلك، ما يجري منذ 2024 أقرب لحظة تأسيسية يعيشها التشكيل السوري منذ افتتاح المعهد العالي عام 1960. المؤسسات تُبنى من جديد، والفنانون يتفاوضون على عقد اجتماعي جديد مع الدولة والجمهور، والعالم يراقب باهتمام لم يحظ به الفن السوري في زمن السلم قط. من أراد قياس المسافة المقطوعة فليقرأ قرن التشكيل السوري كاملاً - أو عقد الستينيات الذي تحاول اللحظة الراهنة أن تعيد ولادته. المزيد في صفحة المقالات.

أسئلة شائعة

ما أول معرض فني كبير في دمشق بعد سقوط النظام؟

معرض «طريق» الذي نظمته مؤسسة مدد للفنون في ربيع 2025 داخل مبنى مسار المهجور، بمشاركة 29 فناناً سورياً صاعداً، ووُصف على نطاق واسع بأنه إعلان ولادة جديدة للمشهد الإبداعي في العاصمة.

ما الذي يمثل سوريا في بينالي البندقية 2026؟

جناح وطني منفرد للفنانة سارة شمّا بعنوان «المدفن البرجي في تدمر»، بتكليف من وزارة الثقافة وتقييم يوكو هاسيغاوا، من 9 أيار حتى 22 تشرين الثاني 2026: برج جنائزي تدمري بارتفاع 15 متراً يضم 18 لوحة جديدة، وهي أول مشاركة سورية بفنان منفرد في تاريخ البينالي.

هل عاد معرض دمشق الدولي فعلاً؟

نعم. انطلقت الدورة 62 في 27 آب 2025 بعد توقف ست سنوات، بمشاركة 800 شركة تحت شعار «سوريا ترحب بالعالم»، وافتُتحت الدورة 63 في آب 2026 بمشاركة نحو 60 دولة.