الأيقونة السورية: من صيدنايا إلى الحداثة

٦ أيلول ٢٠٢٦

على ارتفاع جبلي شمال دمشق بنحو أربعين كيلومتراً، في دير سيدة صيدنايا، تقف طوابير الزوار منذ قرون أمام كوة صغيرة مظلمة تحفظ أيقونة الشاغورة - أيقونة مريمية تنسبها التقاليد إلى ريشة القديس لوقا. مسلمون ومسيحيون معاً، وهذه ليست لغة سياحية بل واقع يومي وثقه الرحالة منذ العصور الوسطى. قبل أي حديث عن فن سوري حديث، هنا يبدأ أقدم تقليد تصويري ما زال حياً في البلاد.

صيدنايا: ألف وخمسمئة عام من الصورة المقدسة

تعود روايات تأسيس الدير الأرثوذكسي إلى الإمبراطور البيزنطي جستنيان عام 547 ميلادية، والقصة المؤسسة نفسها قصة صورة: غزالة تتحول أمام الصياد الإمبراطور إلى ظهور مريمي يأمر ببناء الكنيسة. الدير الذي قام على الرواية صار عبر العصور الوسطى مقصد حج من الوزن الثقيل، حاضراً في أدبيات الرحالة اللاتين، وصامداً عبر زلزال 1759 الذي أصاب بنيانه وعبر أضرار الحرب الأخيرة. حتى هدايا الزوار تروي استمرارية غريبة: وثق المؤرخ وليم دالريمبل أن بين النذور المعلقة في الدير خوذات فضاء تركها روادها السوريون.

الأهم لموضوعنا أن صيدنايا ليست حالة معزولة. الكنائس السورية من حمص إلى وادي النصارى إلى حلب احتفظت بمجموعات أيقونات متراكمة عبر القرون، تشكل معاً متحفاً موزعاً على مذابح البلاد - متحفاً هشاً، قلما جرد أو رقمن، وتعرضت أجزاء منه للسرقة والتهريب في سنوات الفوضى.

مدرسة حلب: حين صارت الأيقونة صناعة محلية

في القرن السابع عشر تحولت حلب، مدينة التجارة والقناصل، إلى مركز إنتاج أيقوني ملكي (نسبة إلى الطائفة الملكية) له ملامحه الخاصة: وجوه مشرقية، حوار واضح مع التصوير العثماني والفارسي في الزخرفة، ونصوص عربية على الأيقونة نفسها بدل اليونانية أحياناً. أشهر أعلام هذه المرحلة أسرة حلبية توارثت الحرفة أجيالاً وعرفت بلقب يلخص المهنة: المصوّر.

هنا أيضاً واجب الصراحة: هذا الفصل من تاريخ الفن السوري يعيش في كتب متخصصة قليلة ومقالات متناثرة، والقارئ العربي لا يجد عنه مرجعاً شاملاً متاحاً. أيقونات المدرسة الحلبية معلقة في كنائس سوريا ولبنان وبيوت مجموعات خاصة، وما زال جمع شتاتها في دراسة توثيقية واحدة مهمة مفتوحة. حين نكتب عن ترميم الفن في بلاد الشام فهذا الإرث تحديداً أكثر ما يحتاج العناية.

الأيقونة السورية عبر القرون

زيات: المرمم الذي فتح الباب بين الزمنين

القصة كانت ستبقى فصلاً كنسياً مغلقاً لولا رجل واحد جعلها شأناً تشكيلياً عاماً. إلياس زيات (1935-2022)، ابن باب توما، درس الرسم في صوفيا والقاهرة ثم حصل عام 1974 على شهادة في ترميم الأعمال الفنية من أكاديمية بودابست، وعاد ليمارس المهنتين معاً: مرمم أيقونات محترف يشتغل على خشب الكنائس المتشقق، وأستاذ مؤسس في كلية الفنون الجميلة بدمشق، ورسام حداثي من الصف الأول.

الترميم عند زيات لم يكن مهنة جانبية بل مدرسته العميقة. من تحت طبقات الورنيش المتأكسد تعلم كيف تبنى الأيقونة: التحضير، التذهيب، ترتيب الجموع في الجدارية، اللون الرمزي لا الوصفي. ثم حمل هذا المنطق كله إلى لوحته الحديثة المسكونة بأساطير تدمر والطوفان. النتيجة أن الأيقونة دخلت دم الحداثة السورية من أوسع أبوابها، لا اقتباساً شكلياً بل بنية تصويرية كاملة.

الحرفة نفسها: لماذا تعيش الأيقونة قروناً؟

يستحق الجانب التقني وقفة، لأنه يفسر البقاء. الأيقونة التقليدية تبنى طبقة فوق طبقة: لوح خشبي مجفف بعناية، قماش يلصق فوقه، طبقات تحضير من الجص والغراء تصقل حتى تصير كالعاج، ثم ذهب الورق للخلفيات، ثم الألوان المسحوقة يدوياً وتمزج بصفار البيض - التمبرا التي تجف صلبة كالحجر. هذه البنية هي ما يجعل أيقونة عمرها ثلاثمئة عام قابلة للترميم أصلاً، وهي ما درسه زيات في بودابست تشريحاً علمياً كاملاً. الرسام التقليدي لم يكن يوقع عمله غالباً؛ الحرفة كانت خدمة لا تعبيراً شخصياً، وهذا الفارق بالذات هو ما قلبته الحداثة رأساً على عقب.

لماذا تعنينا الأيقونة اليوم؟

ثلاثة أسباب عملية. الأول للفهم: من يريد قراءة الفن السوري الحديث قراءة صحيحة يحتاج هذا الجذر؛ الحداثة السورية لم تستورد كلها من باريس، وقسم وازن منها نبت من الجدارية والأيقونة المحلية، كما نروي في تاريخ الفن السوري الحديث. الثاني للحفظ: المجموعات الأيقونية السورية خرج بعضها من البلاد في سنوات الحرب ضمن نزيف الآثار العام، وكل توثيق منشور يرفع كلفة التهريب ويسهل الاسترداد - وهو وجه من وجوه ما تناولناه في الحرب والفن السوري. والثالث للاقتناء الرشيد: الأيقونات القديمة ليست سوقاً للهواة؛ القطع المشروعة التداول نادرة، والأصل في أي أيقونة مشرقية قديمة معروضة للبيع أن تسأل عن مصدرها قبل جمالها.

وفي المراسم السورية، داخل البلاد وخارجها، ما زال رسامون شباب يتعلمون التذهيب وطبقات التمبرا على الطريقة القديمة، بعضهم لخدمة الكنائس وبعضهم بحثاً عن اللغة التي وجدها زيات قبلهم. التقليد الذي عمره خمسة عشر قرناً لم يغلق دفاتره بعد.

أما الزائر، فما زال يستطيع ما استطاعه الحجاج قبل قرون: صعود درج صيدنايا، والوقوف في العتمة أمام الشاغورة، حيث بدأ كل شيء. بقية ملفات تاريخ الفن في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

ما أشهر أيقونة في سوريا؟

أيقونة الشاغورة في دير سيدة صيدنايا قرب دمشق، وتنسبها التقاليد الكنسية إلى القديس لوقا نفسه. الدير الأرثوذكسي الذي يحفظها تعود روايات تأسيسه إلى الإمبراطور جستنيان عام 547 ميلادية، وظل عبر العصور الوسطى من أكبر مقاصد الحج المسيحي في المشرق.

ما مدرسة حلب في الأيقونات؟

تسمية تطلق على إنتاج مرسمي حلب في القرن السابع عشر، وأشهر أعلامه أسرة رسامين عرفت بلقب المصوّر توارثت الحرفة أجيالاً. أيقوناتها منتشرة في كنائس سوريا ولبنان، لكن التوثيق المنشور المتاح عنها بالعربية ما زال أقل بكثير مما تستحق.

ما علاقة إلياس زيات بالأيقونة؟

زيات (1935-2022) كان مرمم أيقونات محترفاً حاصلاً على شهادة ترميم من بودابست عام 1974، ورساماً حداثياً في الوقت نفسه. رمّم أيقونات الكنائس السورية وأدخل منطقها البصري إلى اللوحة السورية الحديثة، فصار الجسر بين التقليدين.