الخط والحروفية في التشكيل السوري - حين صار الحرف لوحة

٦ أيلول ٢٠٢٦

في مطلع ستينات القرن الماضي علّق محمود حماد في دمشق لوحات لا تشبه ما اعتاده جمهور المعارض: كلمات عربية مفككة، حروف تتقاطع وتتراكب حتى تصير كتلاً هندسية من اللون. لم تكن خطاً، ولم تعد رسماً بالمعنى المألوف. كانت شيئاً ثالثاً سيسميه النقاد لاحقاً «الحروفية»، وستضع اسم سوريا مبكراً في واحدة من أهم حركات الفن العربي الحديث.

قبل الحروفية: الحرف بوصفه هوية

الحكاية لا تبدأ من حماد وحده. أدهم إسماعيل (1922-1963)، المولود في أنطاكية والذي عاش تهجير لواء إسكندرون عام 1939، حمل جرح المكان إلى اللوحة وبحث عن لغة بصرية عربية خالصة. اشتغل على الأرابيسك - ذلك الخط المتصل الذي لا ينتهي - وعلى إيقاع الحرف والزخرفة، ويسجَّل له أنه من أوائل من نقلوا التصوير السوري من الواقعية نحو التجريد. تخرّج في روما عام 1956 ومات شاباً في الحادية والأربعين، لكن أبحاثه فتحت الباب الذي سيدخل منه الآخرون.

في حلب كان مسار آخر يتشكل. سامي برهان، المولود عام 1929، بدأ من الحرفة نفسها: تعلم الخط صبياً على يد خطاطين تقليديين قبل أن يدرس التصوير والنحت في أكاديمية الفنون الجميلة في روما. جمع الرجل الإجازة الخطية والتكوين الأكاديمي الغربي في يد واحدة، وأقام عشرات المعارض بين سوريا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة، وظل الحرف العربي مادته الأولى حتى استقر في إيطاليا.

حماد: الحرف يتحول إلى بنية

عاد محمود حماد (1923-1988) من دراسته في أكاديمية روما أواخر الخمسينات، ومنذ مطلع الستينات كرّس مشروعه للحرف: عبارات عربية قصيرة يعيد بناءها حتى تفقد وظيفتها القرائية وتكسب حضوراً معمارياً. مؤرخة الفن وجدان علي صنّفت أسلوبه «خطاً تجريدياً» ضمن الحركة الحروفية، وعُرضت أعماله المبكرة في دمشق وبيروت وساو باولو والبندقية. ولم يكن حماد فناناً معتزلاً في مرسمه؛ درّس في كلية الفنون الجميلة بدمشق منذ تأسيسها وتولى عمادتها بين 1970 و1980، فمرّت من تحت يده أجيال كاملة من التشكيليين السوريين. هذا المزيج - مشروع فني صارم وموقع أكاديمي مؤثر - هو ما جعل أثره بنيوياً في الحركة كلها، كما فصّلنا في تاريخ الفن التشكيلي السوري.

مخطط سلالة الحروفية السورية من الروّاد إلى الأجيال اللاحقة

الجيل التالي: من اللوحة الحروفية إلى الخط المجدَّد

في السبعينات انقلبت المعادلة. لم يعد السؤال كيف يدخل الحرف إلى اللوحة، بل كيف يخرج الخط نفسه من قوالبه.

منير الشعراني، المولود في سلمية عام 1952، درس الخط منذ العاشرة على يد الخطاط بدوي الديراني، ثم تخرج عام 1977 في كلية الفنون الجميلة بدمشق ضمن أول دفعة لقسم التصميم الغرافيكي على يد عبد القادر أرناؤوط. من هذا التقاطع بين الإجازة التقليدية والتصميم الحديث بنى الشعراني مشروعه: تكوينات خطية مبتكرة تحترم منطق الحرف وتكسر قوالبه الموروثة، وأكثر من ألفي غلاف كتاب وعشرات الشعارات صنعت ذائقة القارئ العربي دون أن ينتبه. عمل في القاهرة بين 1985 و2007 ثم عاد إلى دمشق، وتُقتنى أعماله اليوم في مجموعات من الشارقة إلى برلين.

أما خالد الساعي، المولود في حمص عام 1970، فيمثل الجيل الذي أعاد وصل ما انقطع بين المدرستين. حاصل على الإجازة في خط الجلي الديواني من الخطاط التركي حسن جلبي عام 1998، وعلى الإجازة والماجستير من كلية الفنون الجميلة بدمشق. يتحرك الساعي بين الخط الكلاسيكي المنضبط وتكوينات تصويرية تتحول فيها الحروف إلى مدن وحقول ومناخات لونية، وتقتني أعماله مؤسسات بينها المتحف البريطاني ومتحف الشارقة للخط.

بقي اسم يتردد في أدبيات هذه الحركة لم نتوسع فيه هنا: غياث الأخرس، أحد أبرز مصممي الطوابع والغرافيك السوريين. صلته المباشرة بالحروفية تحتاج توثيقاً أدق، فتركناها لمقالة قادمة.

لماذا تعني الحروفية المقتني اليوم؟

لأنها النقطة التي يلتقي عندها تاريخ الفن بالسوق. أعمال حماد الحروفية من الستينات والسبعينات صارت من أثقل الأسماء السورية حضوراً في مزادات الفن العربي الحديث، والطلب على الخط المعاصر - الشعراني والساعي تحديداً - يتسع مع كل موسم. من يبني مجموعة سورية جادة يجد في الحروفية خيطاً يصل رواد الحداثة بفناني اليوم، وهو ما يجعلها مدخلاً منطقياً لمن يبدأ من أشهر الفنانين السوريين قبل أن يتخصص.

الحرف العربي دخل اللوحة السورية قبل ستين عاماً بحثاً عن هوية بصرية، وبقي فيها لأنه وجد ما هو أبعد: بنية تشكيلية لا تنضب. من تجريدات حماد إلى مدن الساعي الحروفية، الخط السوري ما زال يكتب - والقراءة كلها في أرشيف المقالات.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الخط العربي والحروفية؟

الخط العربي حرفة لها قواعد صارمة تتوارثها الإجازات: الثلث والنسخ والديواني وغيرها. الحروفية حركة تشكيلية حديثة تأخذ الحرف من قواعده إلى فضاء اللوحة، فتفككه أو تحوّره أو تبنيه كتلاً لونية. الخطاط يخدم النص، والحروفي يخدم التكوين.

من هو رائد الحروفية في سوريا؟

محمود حماد (1923-1988) هو الاسم الأول الذي يرد عند مؤرخي الفن، إذ بنى منذ مطلع الستينات تجريداته على الحرف العربي وعرضها في دمشق وبيروت وساو باولو والبندقية. وقبله مهّد أدهم إسماعيل الطريق بأبحاثه في الأرابيسك والخط منذ الخمسينات.

هل أعمال الحروفية السورية مطلوبة في المزادات؟

نعم. أعمال محمود حماد الحروفية تظهر بانتظام في مزادات كريستيز وبونامز وسوذبيز ضمن أقسام الفن العربي الحديث، وأعمال سامي برهان وخالد الساعي متداولة في المزادات والصالات. المعيار المؤثر: تاريخ العمل، ومرحلته ضمن مسار الفنان، وسجل عرضه.