«ماذا بعد؟»: قصة اللوحة السورية الأغلى في التاريخ

٦ أيلول ٢٠٢٦

تسع نساء وطفلان. أحد عشر جسداً بالأسود، حفاة على أرض لا ملامح لها، وخلفهم أصفر خردلي يملأ الكادر كشمس لا ترحم. لا بيت في اللوحة، لا أفق، لا وجهة. رسمها لؤي كيالي عام 1965 وكتب تحتها سؤالاً بدل العنوان: ثم ماذا؟؟

بعد ستين عاماً، في 8 شباط 2025، وقفت اللوحة نفسها تحت أضواء قاعة مزادات في الدرعية قرب الرياض، وارتفعت المزايدات عليها حتى استقرت عند 900 ألف دولار. رقم قياسي للفنان، ورقم لم يبلغه عمل سوري في مزاد علني من قبل.

دمشق، 1965

حين رسم كيالي هذه اللوحة كان في الحادية والثلاثين، أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بدمشق، عائداً من روما بشهادة أكاديمية الفنون الجميلة التي نالها عام 1961. المولود في حلب في 20 كانون الثاني 1934 كان قد مثّل سوريا مع فاتح المدرّس في بينالي البندقية عام 1960، وهو بعد في منتصف العشرينات.

«ثم ماذا؟؟» جاءت قبل نكسة حزيران بعامين. لم تكن رثاء لهزيمة وقعت، بل قراءة مبكرة لمأساة مفتوحة: التهجير الفلسطيني الذي بدأ عام 1948 ولم يجب أحد عن سؤاله. القماشة كبيرة بمقاييس تلك المرحلة - 172 في 190 سنتيمتراً - وكأن كيالي أراد للمشاهد أن يقف أمام المهجّرين بحجمهم الحقيقي تقريباً، وجهاً لوجه.

اللافت في اللوحة اقتصادها. لا دماء، لا ركام، لا خطابة. نساء صامتات وطفلان وسؤال. هذا الاقتصاد نفسه هو ما جعلها تصمد: المأساة التي تصرخ تشيخ بسرعة، والمأساة التي تسأل تبقى.

من بيت جامعي إلى قاعة المزاد

بقيت اللوحة عقوداً ضمن مقتنيات عائلة سماوي، العائلة السورية التي جمعت واحدة من أهم مجموعات الفن السوري الحديث. وحين قررت سوثبيز إقامة أول مزاد لها في تاريخ السعودية - مزاد «الأصول» في الدرعية - اختارت «ثم ماذا؟؟» ضمن التشكيلة، بتقدير بين 500 و700 ألف دولار.

ليلة المزاد، دارت معركة مزايدة وصفتها التغطيات الصحفية بالمطوّلة. النتيجة النهائية بالرسوم: 900 ألف دولار. للمقارنة، كان الرقم القياسي السابق لكيالي 341,200 دولار، سجلته لوحة «الصياد الصغير» (1976) في بونهامز لندن في 5 حزيران 2024. أي أن سوق كيالي قفز 150% في ثمانية أشهر.

رحلة اللوحة من دمشق 1965 إلى الدرعية 2025

لماذا هذه اللوحة تحديداً؟

يمكن تفسير الرقم بعوامل السوق: مزاد افتتاحي أرادت له سوثبيز نتائج تتصدر العناوين، وسيولة خليجية تبحث عن أيقونات عربية، ومصدر ملكية نظيف من مجموعة معروفة. كل ذلك صحيح. لكنه لا يكفي.

الأصح أن «ثم ماذا؟؟» تجمع ما يطلبه جامع الفن العربي الحديث في عمل واحد: فنان تتقاطع سيرته مع تاريخ التصوير السوري كله، وموضوع سياسي كبير معالج بلغة إنسانية لا شعاراتية، وحجم متحفي، وتاريخ مبكر - 1965 - من ذروة نضج الفنان قبل أن تبدأ نوبات اكتئابه في النصف الثاني من الستينات بترك أثرها على إنتاجه.

نهاية كيالي معروفة ومؤلمة: توفي في حلب في 26 كانون الثاني 1978 متأثراً بحروق أصابته حين اشتعل سريره، وله من العمر 44 عاماً. الموت المبكر أغلق الإنتاج عند عدد محدود من الأعمال الكبيرة، والندرة في سوق الفن وقود لا يخمد.

ماذا يعني الرقم للفن السوري؟

قبل هذا المزاد كان سقف الفن السوري في المزادات عند حدود 374,500 دولار، سجلها فاتح المدرّس في كريستيز دبي عام 2010. لوحة كيالي لم تكسر السقف، بل أعادت رسمه عند مستوى آخر تماماً، وأدخلت الفن السوري الحديث نادي الأعمال العربية التي تقارب المليون.

الأثر عملي لا رمزي فقط: بيوت المزادات صارت تبحث عن أعمال سورية متحفية، والمجموعات الخاصة التي نامت عقوداً بدأت تتحرك، وأسعار الجيل التأسيسي كله - المدرّس، محمود حماد، أدهم إسماعيل - تُقرأ اليوم على ضوء رقم كيالي. تفصيل ذلك في سجل أغلى الأعمال السورية.

يبقى السؤال الذي رسمه كيالي قبل ستين عاماً معلقاً فوق كل هذا. لوحة عن قوم فقدوا بيوتهم بيعت بثمن يشتري حياً كاملاً، وسؤالها لم يجب عنه أحد بعد: ثم ماذا؟

للاستزادة: سيرة لؤي كيالي كاملة، وبقية مقالات سيريان آرت.

أسئلة شائعة

بكم بيعت لوحة «ثم ماذا؟؟» ومتى؟

بيعت بـ900,000 دولار في مزاد سوثبيز «الأصول» (Origins) في الدرعية بالسعودية يوم 8 شباط 2025، متجاوزة تقديرها الأعلى البالغ 700 ألف دولار، ومسجلة رقماً قياسياً للؤي كيالي ولأي عمل سوري في المزادات.

ماذا تصوّر اللوحة؟

أحد عشر شخصاً - تسع نساء وطفلان - بثياب سوداء على خلفية صفراء خردلية، حفاة ومشتتين. رسمها كيالي عام 1965 عن التهجير الفلسطيني، قبل حرب حزيران 1967 بعامين.

ما كان الرقم القياسي السابق لكيالي؟

لوحة «الصياد الصغير» (1976) التي بيعت بـ341,200 دولار في بونهامز لندن في 5 حزيران 2024. أي أن «ثم ماذا؟؟» رفعت رقم الفنان القياسي بنحو 150% في أقل من عام.

«ماذا بعد؟»: قصة اللوحة السورية الأغلى في التاريخ | الفن السوري