دمشق في اللوحة السورية: المدينة موضوعاً
٦ أيلول ٢٠٢٦
حارة دمشقية عند الظهيرة، ظل أزرق أعمق مما يليق بالحيطان، وضربات فرشاة مائية لم تجف تماماً بعد. هكذا دخلت دمشق اللوحة الحديثة في عشرينات القرن الماضي، على يد رجل كان يجلس على كرسي قماش صغير في الشارع وينهي العمل أحياناً في دقائق. منذ تلك اللحظة لم تغادر المدينة القماش السوري. تغيرت فقط طريقة حضورها: منظر، ثم ضوء، ثم زخرفة، ثم ذكرى تُسمع أكثر مما تُرى.
المدينة منظراً: كرشة يفتح النافذة
ميشيل كرشة عاد من المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1925، وكان قد تتلمذ هناك على لوسيان سيمون. الدرس الذي حمله معه بسيط ومزلزل: اخرج من المرسم. فخرج، وظل يخرج نصف قرن. رسم الجامع والحارة، بردى بصفصافه، بساتين الغوطة، والبادية عند أطراف المدينة. لم يكن يجمّل ولا يؤرشف؛ كان يمسك الضوء الدمشقي في ساعته، والضوء لا ينتظر أحداً.
المفارقة أن جمهور دمشق الأول رأى في لوحاته رسماً «غير مكتمل». اليوم تعلّق تلك الأعمال في المتحف الوطني بوصفها شهادة ميلاد: قبل كرشة كانت اللوحة الدمشقية تنظر إلى الوراء، وبعده صارت تنظر من النافذة.
المدينة ضوءاً: شورى وبساتينها
تلميذ هذه المدرسة وشريكها نصير شورى، المولود في حي المهاجرين عام 1920، أسس مع كرشة جمعية أصدقاء الفن عام 1951 وحمل لقب أبي الانطباعية السورية. عنده صارت دمشق ضوءاً قبل أن تكون حجراً: الغوطة والبساتين والمشاهد الطبيعية بلمسة سريعة تصطاد اللحظة. وحين انقلب شورى على مدرسته عام 1964 واتجه إلى التجريد ثم عاد في السبعينات إلى المشهد الطبيعي بعين مصفّاة، بقيت المدينة وضواحيها مادته. الموضوع واحد والعين تتبدل، وهذه واحدة من أجمل طرق قراءة مسيرته: دمشق نفسها مرسومة بثلاث حساسيات متعاقبة.
المدينة نسيجاً: نساء نبعة المذهّبات
مع نذير نبعة (1938-2016) تنتقل دمشق من الشارع إلى الداخل. ابن الحي الشعبي الذي كانت أمه تشتغل بالتطريز درس في القاهرة ثم في باريس، وعاد أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. منذ السبعينات بنى عالمه المعروف: نساء دمشقيات بملامح أيقونية، أقمشة وحلي مشغولة حتى آخر خيط، وخلفيات ذهبية تستدعي الأيقونة الشرقية والفن التدمري معاً.
هنا لم تعد المدينة مشهداً يُرى من نقطة محددة. صارت نسيجها الداخلي: خيوط الأمهات، ذهب الأواوين، وجوه البنات في البيوت القديمة. من يقف أمام لوحة «بلا عنوان (ثلاث سيدات)»، التي سجلت رقمه القياسي بـ87,500 دولار في كريستيز دبي عام 2017، يرى دمشق كاملة دون حجر واحد.
المدينة إيقاعاً: عرابي يرسمها من بعيد
آخر التحولات أنجزه أسعد عرابي، المولود في دمشق عام 1941 والمقيم في باريس منذ 1975. بدأ برسم أزقة دمشق القديمة بواقعية دقيقة، لكن الأزقة نفسها دفعته إلى ما هو أبعد: ليس شكل المدينة بل إيقاعها. في مرسمه الباريسي، وعلى مسافة آلاف الكيلومترات من موضوعه، صارت الأسطح والقباب والأبواب كتلاً لونية تتكرر وتتنافر كجملة موسيقية. طفولته في بيت جدته المتصوفة، بين المخطوطات والمنمنمات، تفسر شيئاً من هذا: مدينة تدور حول مركز خفي، كأنها في حلقة ذكر.
عرابي يرسم دمشق بالأذن. وهذا ليس ترفاً أسلوبياً؛ إنه الحل الوحيد المتاح لمن يرسم مدينة لم يعد يراها كل صباح. الذاكرة لا تحفظ العمارة، تحفظ الإيقاع.
أربع لوحات، مدينة واحدة
ضع الأعمال الأربعة جنباً إلى جنب: حارة كرشة المائية، بستان شورى، سيدات نبعة الذهبيات، وكتل عرابي الموسيقية. الظاهر أنها أربعة أساليب لا يجمعها شيء. الحقيقة أنها سيرة مدينة تُروى بالتقسيط: المدينة حين كانت في متناول اليد، ثم حين صارت ضوءاً يُدرس، ثم حين تحولت رمزاً يُستدعى، ثم حين لم يبق منها إلا ما يحفظه السمع.
وليست هذه نهاية السلسلة. الفنانون الذين رسموا دمشق من منافي ما بعد 2011 ورثوا المعادلة الأخيرة وقلبوها ألماً صريحاً - تلك قصة أخرى نرويها في المنفى موضوعاً. أما جذور الحكاية كلها فتجدها في تاريخ الفن التشكيلي السوري، والمزيد من الملفات في فهرس المقالات.
أسئلة شائعة
من أول من رسم دمشق بعين حديثة؟
ميشيل كرشة (1900-1973) الذي عاد من باريس عام 1925 محملاً بدروس الانطباعية وراح يرسم الحارات وبردى والغوطة في الهواء الطلق، بسرعة تلاحق الضوء قبل تحوله. قبله كانت اللوحة الدمشقية أقرب إلى الاستعادة التاريخية منها إلى المشاهدة المباشرة.
هل بقيت دمشق موضوعاً واقعياً فقط؟
لا. عند نذير نبعة صارت المدينة نسيجاً وذهباً وملامح نسائية أيقونية، وعند أسعد عرابي المقيم في باريس منذ 1975 تحولت إلى إيقاع لوني خالص: قباب وأسطح وأبواب تُرسم كما تُسمع الموسيقى، لا كما تُرى العمارة.
أين أرى لوحات دمشقية من هذه الأجيال؟
المتحف الوطني بدمشق ووزارة الثقافة يقتنيان أعمال كرشة وشورى، ومؤسسة أتاسي ومؤسسة دلول في بيروت توثقان أعمال نبعة وعرابي وغيرهما، إضافة إلى ما يظهر دورياً في مزادات الفن الشرق أوسطي.