نصير شورى: من الانطباعية إلى التجريد

٦ أيلول ٢٠٢٦

عام 1964 فعل نصير شورى ما لا يفعله المؤسسون عادة: هدم بيته بيده. الرجل الذي لقّبته الأوساط الفنية بأبي الانطباعية السورية، والذي قاد مدرستها في دمشق عقدين كاملين، ترك الضوء والبساتين فجأة واتجه إلى التجريد الخالص. لم يكن قراراً تجارياً بالتأكيد، فسوق دمشق الصغيرة حينها كانت بالكاد تشتري المناظر الطبيعية المحببة، فكيف بلوحة بلا موضوع؟

من المهاجرين إلى القاهرة

ولد شورى عام 1920 في حي المهاجرين الدمشقي. وقبل أن يغادر إلى مصر، شارك عام 1941 في تأسيس «ستوديو فيرونيزي»، أول ملتقى فعلي للفنانين في دمشق، حيث كانوا يتشاركون الخبرة والنماذج الحية في مدينة لا معاهد فنية فيها بعد. ثم درس التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة بين 1943 و1947، وعاد ليصبح خلال الخمسينيات واحداً من أبرز وجوه المشهد الدمشقي.

عاش شورى من التعليم، كما جيله كله تقريباً: درّس الرسم في الثانويات سنوات طويلة، وحين افتُتحت كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1960 كان بين أعضائها المؤسسين، وبقي فيها ثلاثين عاماً يعلّم أجيالاً متعاقبة، منهم من صار لاحقاً من أعلام التشكيل السوري.

المراحل الثلاث

مسيرة شورى تُقرأ كثلاثة فصول واضحة الحدود، وهذا نادر بين الفنانين العرب الذين غالباً ما تتداخل مراحلهم.

مراحل نصير شورى الثلاث

الفصل الأول، الانطباعية (حتى 1964): ضوء دمشق وغوطتها، بساتين ومشاهد طبيعية بلمسة سريعة تصطاد اللحظة. هنا اكتسب لقبه وتلامذته ومكانته.

الفصل الثاني، التجريد (1964 - منتصف السبعينيات): القطيعة. عام 1965 شارك مع محمود حماد وإلياس زيات في تأسيس «جماعة دمشق» التي عرضت في صالة سيوان، ووصلت أعمال أعضائها في العام نفسه إلى بينالي ساو باولو. كان التجريد حينها قضية جيل كامل في المشرق: كيف نصنع حداثة لا تستعير عيون باريس؟

الفصل الثالث، التركيب (السبعينيات حتى رحيله عام 1992): العودة إلى الطبيعة، لكن بعينٍ مرّت بالتجريد. مشاهد مبسّطة الكتل، مصفّاة اللون، تحتفظ بإحساس الانطباعية وتبنيها بعقل تجريدي. من يقارن لوحة له من 1955 بأخرى من 1980 يرى المسافة كاملة: الموضوع واحد، والعين مختلفة تماماً.

لماذا يهم شورى اليوم؟

لأن نصف حكاية الحداثة السورية يمر من عنده. هو حلقة الوصل بين جيل الرواد الأوائل وجيل الستينيات، ومعلّم مباشر أو غير مباشر لمعظم من جاء بعده. الجيل الذي تلاه، من ليلى نصير إلى أسماء فيومي، تخرّج في مناخ صنعه شورى وزملاؤه، سواء في كلية دمشق أو في جو المعارض والجماعات الفنية.

وفي السوق، تظهر أعماله دورياً في مزادات الفن العربي الحديث، وحضوره في مجموعات مؤسسية كبرى مثل مجموعة دلول في بيروت ومؤسسة أتاسي يجعله من الأسماء التي يُبنى عليها أي اقتناء جاد للحداثة السورية. تفصيل المشهد كاملاً تجده في قائمة أشهر الفنانين السوريين.

خيط يمتد إلى اليوم

جدلية شورى بين التشخيص والتجريد لم تنته برحيله. تجدها عند خالد تكريتي الذي يبني تشخيصاً مسطحاً بمنطق تصميمي شبه تجريدي، وعند مصطفى علي الذي ينحت الجسد الإنساني ثم يختزله حتى حافة الرمز. كل منهم يجيب عن سؤال شورى نفسه بأدوات عصره، وذلك ما يجعل قراءة مراحله الثلاث مدخلاً عملياً لفهم قرن كامل من التصوير السوري. المزيد من هذه القراءات في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

من هو نصير شورى؟

رسام سوري ولد في حي المهاجرين بدمشق عام 1920 وتوفي عام 1992. يوصف بأنه أبو الانطباعية السورية، ودرس التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة بين 1943 و1947، وكان من الأعضاء المؤسسين لكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عند افتتاحها عام 1960.

لماذا تحول نصير شورى إلى التجريد؟

بعد أن قاد الحركة الانطباعية السورية حتى عام 1964، غيّر مساره فجأة نحو التجريد، وشارك عام 1965 في تأسيس جماعة دمشق مع محمود حماد وإلياس زيات، وعرضت الجماعة أعمالها التجريدية في بينالي ساو باولو في العام نفسه.

هل بقي شورى تجريدياً حتى النهاية؟

لا. بعد نحو عشر سنوات في التجريد عاد في السبعينيات إلى المشهد الطبيعي، لكن بأسلوب يمزج الانطباعية بخلاصة تجربته التجريدية، وهي المرحلة التي يعتبرها كثيرون الأنضج في مسيرته.