ليلى نصير: رائدة التشكيل النسوي السوري
٦ أيلول ٢٠٢٦
في لوحة «الشهيدة - الأمة» تحمل نساء باكيات جسد امرأة ميتة، ويمدّ أطفال صغار أيديهم ليلمسوها. لا بطل عسكري هنا، ولا خطابة. الشهيد امرأة، والوطن امرأة، والحداد كله نساء. بهذه اللوحة، المحفوظة اليوم ضمن مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون، قلبت ليلى نصير سردية التضحية الوطنية التي احتكرها الرجال في التصوير العربي طويلاً.
بنت الساحل التي أرسلها أبوها لترسم
ولدت ليلى نصير عام 1941 في محافظة اللاذقية. والدها موسى نصير كان قائمقاماً شجعها على دراسة الفن، ووالدتها وديعة كانت مولعة بالأدب والفلسفة، فوضعت بين يدي ابنتها شكسبير وبودلير وطه حسين وجبران. بدأت الرسم في الرابعة عشرة، ونالت منحة حكومية أوصلتها إلى كلية الفنون الجميلة في القاهرة، حيث تخرجت عام 1963.
كان ذلك زمناً تدخل فيه الفتاة كلية الفنون فتخرج منها إلى الزواج والنسيان. نصير خرجت منها إلى مرسم لم تغادره ستين عاماً.
ماذا رسمت؟
بدأت من حضارات المنطقة القديمة، تستخدم الأسطورة مجازاً عن الحياة. ثم تنقلت بحرية لافتة بين الواقعية والتعبيرية والسريالية وصولاً إلى التجريد، مجربةً خامات وتقنيات مختلفة دون أن تستقر في مدرسة واحدة. الثابت الوحيد كان الإنسان، والمرأة تحديداً: أمّاً، حاملاً، عاملةً، شهيدة.
هنا مفارقة تستحق التوقف. نصير لم تتزوج ولم تكوّن أسرة، لكن الأمومة والحمل من أكثر الموضوعات حضوراً في أعمالها التشخيصية. رسمت ما اختارت ألا تعيشه، ودافعت في المقابل عن حق النساء في أن يخترن أصلاً. كانت تنادي بالمساواة في مجتمع محافظ، وتدفع ثمن ذلك عزلةً وتجاهلاً في فترات طويلة من حياتها.
الفنانة التي لم تغادر
زارت جنوب لبنان في سبعينيات القرن الماضي، وترك المشهد أثره في أعمالها عن الحرب والفقد، ومنها «الشهيدة - الأمة». وعلى خلاف كثير من مجايليها العرب الذين استقروا في باريس أو الخليج، لم تغادر نصير سوريا بشكل دائم قط. درّست في دمشق، وعاشت سنواتها الأخيرة في دار للرعاية في اللاذقية، حيث توفيت في آب 2023.
التكريم الرسمي جاء متأخراً كعادته: وسام الاستحقاق السوري عام 2018، بعد أكثر من نصف قرن على تخرجها. أما التكريم الفعلي فجاء من السوق والمؤسسات: أعمالها اليوم في متحف: المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، وضمن مقتنيات مؤسسة بارجيل ومؤسسة أتاسي، وأرشيفها الشخصي محفوظ ضمن مجموعات «مسح» التوثيقية.
لماذا نسميها رائدة؟
كلمة «رائدة» تُمنح بسخاء في الكتابة العربية عن الفن، لكنها هنا وصف دقيق لا مجاملة. جيل نصير عرف فنانات موهوبات كثيرات، غير أن الاستمرار كان الاستثناء: الزواج أو المجتمع أو غياب السوق أنهى معظم المسيرات مبكراً. نصير استمرت، وعلّمت، وعرضت، وظلت تنتج رغم المرض والعزلة. حين توفيت، وصفتها الصحافة الثقافية العربية بأنها أول فنانة سورية أخذت مكانتها بجدية كاملة، فناً وموقفاً.
من أراد فهم التشكيل النسوي السوري يبدأ من هنا، ثم ينتقل إلى الجيل الذي جاء بعدها. زميلتها في المشهد الدمشقي أسماء فيومي واصلت المسار من زاوية التجريد التعبيري، وقصة الفنانات السوريات مجتمعةً نفردها في دليل الفنانات السوريات.
أين تقع نصير في خريطة الفن السوري؟
جيلها هو الجيل الثاني من الحداثة السورية: بعد جيل المؤسسين الذي يمثله نصير شورى وقبل جيل ما بعد التسعينيات الذي يمثله خالد تكريتي في التصوير ومصطفى علي في النحت. ومكانتها ضمن الأسماء السورية الكبرى نستعرضها في قائمة أشهر الفنانين السوريين، ومنها يتفرع باقي ما ننشره في فهرس المقالات.
أعمال نصير نادرة العرض في المزادات، وأغلب ما يظهر منها يمر عبر مؤسسات لا صالات بيع، وهذا بحد ذاته مؤشر مكانة: الفنانة التي رسمت الأمة امرأةً صارت أعمالها ذاكرة وطنية تُقتنى ولا تُتداول.
أسئلة شائعة
من هي ليلى نصير؟
فنانة تشكيلية سورية ولدت عام 1941 في محافظة اللاذقية، تخرجت في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1963، وتعد أبرز فنانة سورية واصلت مسيرتها الفنية في زمن كان استمرار الفنانات فيه نادراً. توفيت في اللاذقية في آب 2023.
ما أشهر أعمال ليلى نصير؟
لوحة «الشهيدة - الأمة» من أشهر أعمالها، وهي ضمن مقتنيات مؤسسة بارجيل للفنون، وتصور امرأة شهيدة تحملها رفيقاتها. كما اشتهرت بموضوعات الأمومة والحمل والأساطير القديمة رغم أنها لم تتزوج ولم تنجب.
هل حصلت ليلى نصير على تكريم رسمي؟
نعم، منحتها سوريا وسام الاستحقاق عام 2018 تقديراً لمسيرتها الممتدة أكثر من نصف قرن في التصوير والتدريس.