خالد الساعي: الخط بين الحرف واللوحة

٦ أيلول ٢٠٢٦

من بعيد تظنها لوحة تجريدية عن غروب أو عاصفة؛ اقترب خطوة وستكتشف أن العاصفة كلها حروف. هذه هي اللعبة التي أتقنها خالد الساعي حتى صارت توقيعه: لوحة تُقرأ مرتين، مرة بعين متأمل التجريد ومرة بعين قارئ الخط. وبين القراءتين تقف سيرة جمعت ما يجتمع نادراً: إجازة الخطاطين الكلاسيكية، وشهادة الأكاديمية التشكيلية، ورقم مزادات من ستة أرقام.

حمصي بإجازة إسطنبولية

ولد الساعي في حمص عام 1970 لعائلة تتنفس الفنون - رسماً وموسيقى وخطاً - وتعود جذورها إلى الميادين على الفرات، وقضى سنوات تكوينه بين حمص ودمشق. ذاع صيته خطاطاً قبل أن يبلغ الثامنة عشرة، لكنه لم يكتفِ بموهبة الصبا: درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق حتى نال الماجستير عام 1998، وفي العام نفسه تسلّم في إسطنبول إجازة الخط الديواني الجلي من الخطاط التركي الكبير حسن جلبي في مقر إرسيكا، منظمة المؤتمر الإسلامي للتاريخ والفنون التي تمثل مسابقاتها ما يشبه أولمبياد الخط العربي.

هذا المسار المزدوج نادر: أكاديمية دمشق التشكيلية من جهة، وسلسلة الإسناد العثمانية التقليدية من جهة أخرى. قلة من مجايليه جمعوا الشرعيتين معاً، وهو ما يفسر قدرته اللاحقة على كسر القاعدة من موقع العارف بها لا الجاهل.

مسيرة خالد الساعي: محطات

جوائز إسطنبول والشارقة

في مطلع الألفية حصد الساعي جوائز أولى في مسابقات إرسيكا الدولية للخط بإسطنبول، أرفع محفل تحكيمي في هذا الفن، وفي مقدمتها خط الديواني الجلي. من يعرف صرامة هذه المسابقات - حيث تفحص لجان من كبار الخطاطين الأتراك والعرب كل مدة وتشعيرة - يدرك أن الفوز فيها شهادة حرفة لا مجاملة. ثم جاءت جائزة «حداثة الخط العربي» في بينالي الشارقة الأول للخط لتكرّس الوجه الآخر لمشروعه: الخطاط الكلاسيكي المجاز هو نفسه المجدد الذي يفكك الحرف إلى عناصر لونية. ورُشّح ضمن أفضل عشرة خطاطين في مهرجان طهران الدولي الأول للخط.

درّس الساعي مدخلاً إلى الخط العربي في جامعة ميشيغان عام 2002، وذكرت تقارير صحفية تدريسه في مؤسسات بينها جامعة ييل، وهو حاضر منذ سنوات في محيط بينالي الشارقة للخط تحكيماً وتنظيماً. في 2017 قدم معرضاً فردياً بعنوان «السطح وما تحته» في غاليري المجلس بدبي ضم ثلاثة وثلاثين عملاً جديداً، وفي 2022 عرض متحف جامعة ميشيغان للفنون عملين أكريليكيين كبيرين أنجزا بتكليف خاص ضمن معرض «Watershed»، ثم شارك في 2025-2026 في معرضين جماعيين في متحف بيناكوتيك دير موديرنه بميونيخ - أي أن حضوره الأوروبي والأمريكي ما يزال في صعود بعد ثلاثة عقود من العمل.

مشاهد من حروف

يمتلك الساعي عدة الخطاط الكاملة - ثلث ونسخ وكوفي وديواني وتعليق ورقعة - لكنه يستخدمها كما يستخدم الرسام ألوانه. لوحاته الكبيرة مدن وفصول وموسيقى مبنية من حروف متراكبة تتكسر وتذوب في طبقات، حتى وصفت أعماله بأنها «مناظر طبيعية من حروف». النص موجود دائماً، لكنه يغرق في الكتلة اللونية ليطفو منه ما يشبه الذاكرة لا الجملة.

يقول الساعي في مقابلاته إن التوازن الذي يطارده هو التوازن بين شكل الحرف والانسجام الجمالي للتكوين ككل: أن تحتفظ الحروف بقواعدها في التفاصيل بينما تتصرف الكتلة تصرف الطبيعة، تتزاحم كسحب أو تنحدر كسيل. لذلك يبدأ كثير من لوحاته من مكان أو حالة - دمشق، البحر، مقام موسيقي - ثم يبني المشهد بالحروف بدل الفرشاة. وهنا يختلف عن حروفيي الجيل السابق: هؤلاء كانوا رسامين استعاروا الحرف، أما هو فخطاط مجاز خرج بالخط نفسه إلى فضاء اللوحة، دون أن يقطع صلته بالمشق الكلاسيكي الذي ما يزال يمارسه ويدرّسه.

بهذا يقف الساعي في منتصف الطريق بين مدرستين سوريتين: صرامة منير الشعراني الذي يجدد الحرف من داخل هندسته، وحرية حروفيي التصوير من ورثة محمود حماد. القصة الكاملة لهذا التيار في مقالنا عن الخط والحروفية في التشكيل السوري.

أين يقف في السوق؟

رقمه القياسي الموثق لافت: 90,000 دولار عن ثنائية «الأرض والريح» (2005) في كريستيز دبي عام 2007 بحسب MutualArt - من أعلى الأرقام التي بلغها خطاط سوري حي، وقد جاء في ذروة موجة الاكتشاف الخليجي للفن العربي الحديث قبل الأزمة المالية. المسافة بين هذا الرقم ونتائجه المعتادة كبيرة، وهذا طبيعي في سوق الخط: القطع الاستثنائية الكبيرة وحدها تشعل المنافسة، بينما تنتقل الأعمال الورقية بهدوء بمبالغ من ثلاثة وأربعة أرقام.

أعماله في مقتنيات المتحف البريطاني ومتحف الشارقة للخط ومتحف دنفر للفنون ومتحف سان بيدرو في المكسيك، إضافة إلى المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة الذي يحتفظ بعمله «ضوء من أجل الغد» (2009)، وتمثله صالات بينها سندرام تاغور في نيويورك والمجلس في دبي. للمقتني الجديد قاعدة عملية: الورقيات مدخل معقول الثمن إلى اسم راسخ متحفياً، والقطع الكبيرة تحجز مكانها في المزادات الخليجية حين تظهر.

المزيد من ملفات الفنانين في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

من هو خالد الساعي؟

خطاط وفنان تشكيلي سوري من مواليد حمص عام 1970، نال ماجستير الفنون الجميلة من جامعة دمشق عام 1998 وإجازة الخط الديواني الجلي من التركي حسن جلبي في المقر ذاته عام 1998. اشتهر بلوحات تمزج قواعد الخط الكلاسيكي بتكوينات تجريدية تشبه المناظر الطبيعية.

ما الجوائز التي حصل عليها؟

نال جوائز أولى في مسابقات إرسيكا الدولية للخط في إسطنبول وفي مقدمتها الديواني الجلي، وجائزة حداثة الخط العربي في بينالي الشارقة الأول للخط، ورُشّح ضمن أفضل عشرة خطاطين في مهرجان طهران الدولي الأول للخط.

أين تقتنى أعماله وكم بلغت في المزادات؟

أعماله في المتحف البريطاني ومتحف الشارقة للخط والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة وغيرها. رقمه القياسي الموثق 90,000 دولار عن ثنائية «الأرض والريح» في كريستيز دبي عام 2007 بحسب MutualArt، بينما تباع أعماله الورقية الصغيرة بمبالغ متواضعة.