منير الشعراني: سيد الخط المعاصر

٦ أيلول ٢٠٢٦

في قاعات معرض «كلمة في فن» بالمتحف البريطاني عام 2006، بين أعمال أشهر فناني الشرق الأوسط الحديث، علّقت تكوينات كوفية هندسية تكاد تكون بنياناً معمارياً أكثر منها كتابة. صاحبها رجل بدأ الطريق إليها طفلاً في العاشرة، جالساً بين يدي خطاط دمشق الأكبر يتعلم الصبر قبل أن يتعلم الحرف.

من السلمية إلى مرسم الديراني

ولد منير الشعراني في السلمية عام 1952، وتنقلت عائلته إلى حمص ثم دمشق. هناك حدث اللقاء الذي صنع كل شيء: صار منذ عام 1962 تقريباً تلميذاً للبدوي الديراني (1894-1967)، سيد خط الثلث والتعليق في الشام وأحد آخر عمالقة المدرسة الكلاسيكية. يقول الشعراني في مقابلته مع مؤسسة أتاسي إن الديراني علّمه «الصبر والأناة والدقة والإتقان» - أي علّمه أخلاق الصنعة قبل تقنياتها.

بعد وفاة أستاذه، دخل الشعراني عام 1971 كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وتخرج عام 1977 ضمن أول دفعة في اختصاص التصميم الغرافيكي، حيث درس على المصمم عبد القادر أرناؤوط. هذا المزيج - إجازة الخط التقليدية من جهة، وعين المصمم الحديث من جهة ثانية - هو مفتاح كل ما أنجزه لاحقاً. فالمشق الكلاسيكي أعطاه العضلات، والتصميم أعطاه السؤال: ماذا يستطيع الحرف أن يكون خارج قوس التقليد؟

سلالة خط دمشق: من الديراني إلى الشعراني

سنوات المنفى والكتاب

غادر الشعراني سوريا في أواخر السبعينات. عمل في بيروت مصمماً ومديراً فنياً في المؤسسة العربية للدراسات والنشر خلفاً لحلمي التوني، ثم أمضى نحو ثلاث سنوات في قبرص موقّعاً أعماله باسم مستعار هو «عماد حليم»، قبل أن يستقر في القاهرة من 1985 حتى عودته إلى دمشق عام 2007.

في تلك العقود صمم مئات أغلفة الكتب لكبريات دور النشر العربية، وصار خطه جزءاً من الذاكرة البصرية للمكتبة العربية دون أن يعرف كثير من القراء اسم صاحبه. من يمسك رواية أو ديواناً طبع في بيروت أو القاهرة خلال الثمانينات والتسعينات، فثمة احتمال معقول أن يكون العنوان الذي على الغلاف بخطه أو من تصميمه. معرضه الفردي الأول أقيم عام 1987 في أتيليه القاهرة، ووزّع فيه على الزوار ما يشبه بياناً مبكراً عن مشروعه: تجديد الخط العربي من داخل قواعده، لا الخروج عليها باسم الحداثة ولا التحجر فيها باسم الأصالة.

خطاط لا حروفي

يحرص الشعراني على تمييز نفسه عن تيار الحروفية الذي مثّله في سوريا محمود حماد ورفاقه. الحروفيون رسامون استعاروا الحرف عنصراً تشكيلياً؛ أما هو فيعرّف نفسه خطاطاً مجدداً «يبدأ من حيث انتهى المنجز» الكلاسيكي، كما قال لمؤسسة أتاسي. يشتغل على الكوفي بأنواعه - وخاصة الكوفي الهندسي المربع - وعلى الثلث والنسخ والمغربي، فيعيد بناء الحرف دون أن يكسر منطقه الداخلي.

نصوصه وحدها تكفي لفهم مشروعه: شعر صوفي، حكم عربية قديمة، عبارات من التراثين الإسلامي والمسيحي معاً. الخط عنده منجز حضاري لا ديني، كما كرر في مقابلاته، وهذه القناعة تصبغ اختياراته من المعنى قبل الشكل. القارئ العربي يقرأ اللوحة، وغير العربي يراها بنية تجريدية مكتملة - والعمل يصمد في الحالتين.

أضف إلى اللوحات وجهاً آخر أقل ظهوراً في المعارض: الحرف المطبعي. صمم الشعراني محارف عربية خاصة إلى جانب عمله في الخط واللوحة، فامتد أثره من غلاف الكتاب إلى بنية النص نفسه - وجه من وجوه مشروعه يجعله حاضراً في المكتبة العربية اليومية أكثر من حضوره في أي قاعة عرض.

من زيورخ إلى لندن

مسار معارضه يرسم خريطة انتشار تدريجي: دار الفنون في تونس عام 1992، متحف ريتبرغ بزيورخ عام 1998، كلية سانت جونز في أكسفورد عام 2005، ثم جاء حضوره في معرض «كلمة في فن» بالمتحف البريطاني عام 2006 ليضعه في قلب السردية العالمية عن فن الحرف العربي الحديث، إلى جانب مشاركات لاحقة بينها غاليري مشربية في القاهرة عام 2012 وبينالي الشارقة 2013، وعروض امتدت من ماليزيا إلى أستراليا والولايات المتحدة.

أما في السوق، فأعلى نتيجة موثقة له 55,000 دولار في كريستيز دبي عام 2007 بحسب MutualArt، وبيع عملان له في بونهامز لندن أواخر 2018 بنحو 6,875 جنيهاً إسترلينياً لكل منهما، بينما تتداول أعماله الورقية الأصغر بمئات الدولارات أحياناً. أرقام متواضعة قياساً بمكانته التاريخية، وهو ما يجعل بعض المقتنين يرون في أعماله فرصة لم يكتشفها السوق بعد: خطاط بسلالة موثقة إلى الديراني، وحضور متحفي أوروبي، وأسعار ما تزال في متناول المقتني المتوسط.

عاد الشعراني إلى دمشق عام 2007 بعد عقدين في القاهرة، فأغلق دائرة بدأت في مرسم الديراني قبل نصف قرن. من يريد وضعه في سياقه الأوسع يجد القصة كاملة في مقالنا عن الخط والحروفية في التشكيل السوري، ويجد الجيل التالي من هذا النسب ماثلاً في تجربة خالد الساعي الذي أخذ الحرف نحو اللوحة التصويرية. فبين تلميذ الديراني وتلاميذ اليوم، يمتد خيط دمشقي واحد: القاعدة أولاً، ثم الحرية.

المزيد من ملفات الفنانين في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

من هو منير الشعراني؟

خطاط ومصمم سوري من مواليد السلمية عام 1952، تتلمذ منذ العاشرة على يد البدوي الديراني كبير خطاطي دمشق، وتخرج عام 1977 في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. عمل بين بيروت والقاهرة ودمشق، وعُرضت أعماله في المتحف البريطاني ومتحف ريتبرغ بزيورخ.

ما الذي يميز أسلوب الشعراني عن الحروفية؟

الشعراني ينطلق من قواعد الخطوط الكلاسيكية - الكوفي والثلث والنسخ والمغربي - ويطورها من الداخل، بينما يستخدم كثير من الحروفيين الحرف عنصراً تشكيلياً حراً دون التزام بقواعده. هو يعرّف نفسه خطاطاً مجدداً يبدأ من حيث انتهى المنجز الكلاسيكي.

كم تبلغ أسعار أعماله في المزادات؟

أعلى نتيجة مسجلة له 55,000 دولار عن عمل بيع في كريستيز دبي عام 2007 بحسب منصة MutualArt، وبيعت أعمال له في بونهامز لندن عام 2018 بنحو 6,875 جنيهاً إسترلينياً للقطعة. أعماله الورقية الأصغر تتداول بمبالغ أقل بكثير.