نزار صابور: الأيقونة المعاصرة والرماد
٦ أيلول ٢٠٢٦
قرب أي لوحة لنزار صابور ستشم الحريق قبل أن تراه. الأسود الذي يغطي ألواحه ليس أنبوب صباغ جاهزاً بل نوى زيتون أحرقها الفنان بيده وطحنها صباغاً، على طريقة صانعي الأيقونات القدامى الذين كانوا يجهزون موادهم قبل صلواتهم. في زمن اللوحة الرقمية يصر صابور على هذه الكيمياء البدائية، لأن مشروعه كله قائم عليها: أن تكون المادة نفسها جزءاً من المعنى.
ابن الساحل وتلميذ موسكو
ولد صابور في اللاذقية عام 1958، وعن طفولته الساحلية يقول إنه ظل مسكوناً بذكرياتها: «كلها مرتبطة بالأرض». درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ثم ذهب شرقاً لا غرباً: إلى موسكو، حيث نال دكتوراه في فلسفة الفن من أكاديمية ستروغانوف العريقة للفنون التطبيقية.
الخيار الروسي ترك بصمته العميقة. من هناك جاءت علاقته المدروسة بالأيقونة الأرثوذكسية: بنيتها، خشبها، ذهبها، وقدرتها على جعل الصورة فعل خشوع. لكن صابور لم ينسخ الأيقونة بل فككها وأعاد بناءها بمعجم معاصر، فصارت أعماله تسمى «أيقونات بلا قديسين»: ألواح خشبية، ثنائيات وثلاثيات، ملامس خشنة تشبه المخطوطات الناجية من حريق.
الرماد لغةً
في أعماله تتجاور مرجعيات تمتد من ملحمة جلجامش إلى الإنجيل، ومن الحوليات السورية القديمة إلى نشرة أخبار اليوم. وحين جاءت الحرب وجد صابور أن أدواته جاهزة لها قبل وقوعها: الرماد الذي كان مادة تأمل صار مادة رثاء مباشر. كرّس أعمالاً لمواقع منكوبة من تدمر إلى معلولا، البلدة التي تحولت محنتها عنده إلى سلسلة كاملة عن القداسة الجريحة.
الصحافة السورية وثقت موقفه في ذروة الحرب بعبارة تلخص جيلاً كاملاً: الفنان السوري يقاوم الكارثة بالعمل والفن. كيف قلبت الحرب موضوعات التشكيل السوري كله، وأين يقف هو من ذلك التحول، قصة نرويها موسعة في مقال الحرب والفن السوري.
مطبخ الأصباغ
في محترف صابور تجد ما لا تجده عند معظم مجايليه: مطبخاً كاملاً لصناعة اللون. نوى الزيتون يحرقها ويطحنها للحصول على أسوده العميق، والترابيات يجهزها بنفسه، والخشب يفضله على القماش لأنه يحتمل الحفر والكشط وتراكم الطبقات. النتيجة لوحات تلمسها العين قبل اليد: سطوح خشنة متشققة تشبه جدران البيوت القديمة، وألوان قليلة محسوبة يتقشف فيها تقشف الناسخ في مخطوطة.
هذا الزهد اللوني قرار فلسفي لا فقر أدوات. صابور خريج مدرسة أكاديمية روسية تعلم فيها كل شيء عن اللون، ثم اختار أن يحذف. القلة عنده احترام للموضوع: حين ترسم الفقد لا تملأ السطح بهجة، وحين تستدعي جلجامش الباحث عن الخلود يكفيك تراب وذهب قليل ورماد. وصيغة الثنائيات والثلاثيات التي يعتمدها تستعير بنية الأيقونسطاس الكنسي نفسها، فتقرأ اللوحة كما يقرأ المصلي جدار الهياكل: من لوح إلى لوح، في خشوع منظم.
بين يديه صارت المادة الفقيرة أرستقراطية المعنى، وهذه المعادلة بالضبط ما يجعل أعماله معروفة من نظرة واحدة في أي معرض جماعي.
في المتاحف والسوق
قياس رسوخ أي فنان بمقتنيات المتاحف، وسجل صابور هنا صريح: المتحف الوطني بدمشق، ومتحف الشارقة للفنون، ومتحف فنون شعوب الشرق في موسكو. وعرضت أعماله دولياً، من العواصم العربية إلى معرض في موسكو حظي بتغطية عربية واسعة، فيما توثق مؤسسة أتاسي مسيرته ضمن أرشيفها المرجعي للفن السوري.
علاقته بموسكو ظلت حية بعد الدكتوراه بعقود: المدينة التي علمته صارت تعرضه وتقتنيه، والمعرض الروسي الأخير الذي نقلته وسائل الإعلام العربية أكد أن جسور تلك المدرسة لم تنقطع. قلة من فناني جيله حافظوا على خط شرقي بهذا الثبات، في زمن انجذبت فيه البوصلة السورية كلها نحو دبي ولندن وباريس.
للمقتني، تتحرك أعمال صابور عبر الصالات المتخصصة بالفن السوري في بيروت ودبي وباريس أساساً، وتظهر في مزادات الفن العربي بين حين وآخر. الأعمال الخشبية متوسطة القياس من سلاسله المعروفة هي قلب سوقه، وقواعد الشراء الموثق تجدها في دليل شراء الفن السوري.
من يبدأ اقتناء صابور اليوم ينصح عادة بقراءة العمل من مادته قبل صورته: لوح خشبي بطبقات ملموسة وأصباغ ترابية مؤشر على المرحلة الناضجة، والحضور الصريح لموضوع المكان المنكوب يؤرخ العمل تلقائياً بما بعد 2011. هذه القراءة المادية تحمي المشتري وتضاعف متعته معاً، لأن نصف حكاية أي لوحة لصابور مكتوب في عجينتها لا في عنوانها.
خط الأيقونة في التشكيل السوري
صابور ليس أول سوري يستدعي الأيقونة - أستاذية الياس زيات في هذا الحقل سبقته بجيل، ووجوه إدوار شهدا تنهل من الينبوع التراثي نفسه. لكن صابور صاحب الصيغة الأكثر تطرفاً في المادية: عنده لا يكفي أن ترسم المقدس، بل يجب أن تصنعه من تراب ورماد كما كان يصنع دائماً.
موقعه بين الكبار في قائمة أشهر الفنانين السوريين، والمشهد كله من فهرس المقالات. أما خلاصته فيمكن اختصارها بجملة واحدة: حين احترقت البلاد، كان صابور الفنان الذي يعرف منذ ثلاثين عاماً ماذا يفعل بالرماد.
أسئلة شائعة
من هو نزار صابور؟
فنان تشكيلي سوري ولد في اللاذقية عام 1958، تخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق ونال دكتوراه في فلسفة الفن من أكاديمية ستروغانوف في موسكو. يعرف بأعماله المشغولة على الخشب بأصباغ يدوية الصنع، وباشتغاله الطويل على الأيقونة والمقدس، وتقتني أعماله متاحف بينها المتحف الوطني بدمشق ومتحف الشارقة للفنون.
لماذا يرتبط اسمه بالرماد؟
يصنع صابور جزءاً من أصباغه بنفسه، وأشهرها أسود يستخرجه من نوى الزيتون المحروق، فيدخل الرماد في نسيج اللوحة مادةً ومعنى. بعد 2011 صار هذا الرماد لغة مباشرة لرثاء المدن والمواقع المنكوبة، من تدمر إلى معلولا، في أعمال تشبه المخطوطات والألواح المحترقة.
أين يمكن رؤية أعماله واقتناؤها؟
أعماله موجودة في مقتنيات المتحف الوطني بدمشق ومتحف الشارقة للفنون ومتحف الشرق في موسكو، وقد أقام معارض دولية بينها معرض في موسكو وثقته الصحافة العربية. في السوق تتحرك أعماله عبر صالات عربية وأوروبية متخصصة بالفن السوري، وتوثق مؤسسة أتاسي مسيرته ضمن أرشيفها.