سعد يكن - تعبيرية حلب من المقهى إلى جلجامش
٦ أيلول ٢٠٢٦
مقهى حلبي خافت الضوء. رجال متعبون حول طاولة رخام، وجوههم متورمة كأنها عُجنت من طين المدينة نفسها، ودخان الأراكيل يلتف فوقهم مثل سقف ثانٍ. هذا المشهد، الذي رسمه سعد يكن عشرات المرات بصيغ مختلفة، صار توقيعه: لا أحد يرسم حلب من الداخل مثله.
ابن حلب الذي لم يغادرها في اللوحة
وُلد سعد يكن في حلب عام 1950، وبدأ الرسم مراهقاً. درس الفن في مدينته أولاً، ثم تخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1970، وعاد. لم تكن العودة تفصيلاً. في وقت اتجه فيه كثير من مجايليه إلى دمشق أو باريس، بنى يكن مشروعه كله على حجر حلب: أزقتها، مقاهيها، حماماتها، وبشرها الذين يعيشون التصاق المدينة القديمة بهم كأنه قدر.
أسس في حلب صالة «النقطة» للفن والأدب، وقدّم برامج تلفزيونية عن الفن، فصار حضوره في المدينة أوسع من مرسمه. ومن يقرأ مشهد حلب التشكيلي يجد اسمه في قلب كل مرحلة منه منذ السبعينيات.
خطّان في تجربة واحدة
تنقسم لوحة يكن، على امتداد نصف قرن، إلى مسارين يتبادلان الظهور.
الأول أرضي تماماً: مقاهي الرجال المهمشين، الفلاسفة المعزولون، السكارى والحالمون، أجساد ثقيلة تجلس في عتمة ملونة بأصفر شاحب وأحمر ترابي. لا سخرية في هذه اللوحات ولا شفقة، بل نوع من الحنان القاسي - يرسم شخوصه كما يُرسم قديسون منسيون.
الثاني أسطوري: سلاسل جلجامش وألف ليلة وليلة وموضوعات من الأدب والملاحم. هنا يكبر حجم اللوحة وتتصاعد الحركة، لكن العجينة اللونية نفسها، والوجوه نفسها تقريباً. كأن رواد المقهى صعدوا إلى الملحمة، أو كأن جلجامش نزل ليشرب شاياً في باب الفرج.
هذا المزج بين اليومي والملحمي هو ما جعل النقاد يضعونه بين أبرز التعبيريين في المشرق، ووريثاً حلبياً لسؤال طرحه فاتح المدرّس قبله: كيف تكون حديثاً وابن أرضك في آن؟
أين وصلت اللوحات؟
خرجت أعمال يكن من حلب إلى مجموعات مؤسسية وازنة: المتحف الوطني في دمشق وحلب، وزارة الثقافة السورية، المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في عمّان، متحف الفن المعاصر في مونتريال، ومجموعة متحف الفن الحديث في بروكسل. وتحتفظ مؤسسة أتاسي بأعمال له ضمن مجموعتها المرجعية للفن السوري.
في السوق، يتداول العمل الزيتي المتوسط ليكن عبر صالات المشرق ومنصات مثل Artsy وArtscoops، ويظهر اسمه بانتظام في معارض الفن السوري الجماعية خارج البلاد. ليس من أسماء المزادات الصاخبة، وهذه ملاحظة تهم المقتني: أسعاره ما تزال دون مستوى مكانته التاريخية، وهي فجوة يراها كثيرون فرصة. راجع قائمة أشهر الفنانين السوريين لتضع موقعه بين مجايليه.
بماذا تعرف لوحة يكن الأصلية؟
ثلاث علامات تتكرر: عجينة لونية سميكة تُبنى طبقة فوق طبقة حتى يصير السطح شبه نافر؛ وجوه مشوهة تشويهاً تعبيرياً محسوباً، بعيون كبيرة زائغة؛ وإضاءة داخلية تخرج من اللوحة نفسها لا من مصدر خارجي، كضوء قنديل في قبو. التواقيع بالعربية غالباً، وأحياناً باللاتينية في أعمال المعارض الدولية. ولأن تزوير التعبيرية الملموسة أصعب من تزوير الأساليب الملساء، تبقى القاعدة نفسها: اطلب سند الملكية، وقارن بالمراجع المنشورة، وعُد إلى دليل توثيق اللوحات السورية قبل أي شراء.
لماذا يستحق مكانه الآن؟
لأن حلب التي رسمها لم تعد كما كانت. بعد 2012 صارت لوحات المقاهي والأزقة أرشيفاً بصرياً لمدينة جُرحت، ورسّامها شاهداً ظل يعمل والمدينة تتغير من حوله. حين يكتب تاريخ الفن السوري فصله الحلبي، سيكون سعد يكن عموده الفقري: الفنان الذي حوّل مقهى شعبياً إلى مسرح إغريقي، وجعل من التعب الإنساني اليومي مادة ملحمية.
للمهتم بالتوسع: صفحة مؤسسة أتاسي مدخل جيد لسياق جيله، و«فهرس المقالات» في صفحة المقالات يجمع بقية ملفات الفنانين.
أسئلة شائعة
متى وأين وُلد سعد يكن؟
وُلد سعد يكن في حلب عام 1950، ودرس الفن فيها قبل أن يتخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1970. بقيت حلب موضوعه الأول طوال مسيرته.
بماذا يتميز أسلوب سعد يكن؟
تعبيرية قاتمة الألوان كثيفة الملمس، تتوزع بين خطين: مشاهد المقاهي الحلبية بشخصياتها المنسية، وسلاسل مستوحاة من الأساطير والأدب مثل جلجامش وألف ليلة وليلة.
أين توجد أعمال سعد يكن في المتاحف؟
توجد أعماله في مجموعات المتحف الوطني بدمشق وحلب، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة في عمّان، ومتحف الفن المعاصر في مونتريال، ومجموعات خاصة عديدة، إلى جانب وزارة الثقافة السورية.