الكاريكاتير السوري: من الصحافة إلى المنفى
٦ أيلول ٢٠٢٦
في أرشيف أي عائلة سورية قرأت الجرائد يوماً، هناك ذكرى متكررة: تقليب الصحيفة من آخرها. الصفحة الأخيرة أولاً، حيث الرسم اليومي، لأن الرسم كان يقول ما لا تقوله الأعمدة الثمانية قبله. تاريخ الكاريكاتير السوري هو تاريخ هذه المساحة الصغيرة وما فعله الرسامون بها، داخل الحدود ثم خارجها.
البدايات: أرشيف شبه ضائع
لنقلها بصراحة: المرحلة المبكرة من الكاريكاتير السوري - صحافة ما قبل الوحدة ومجلات الظرفاء في الأربعينيات والخمسينيات - لم تؤرشف ولم تدرس كما تستحق. الأعداد القديمة تلفت أو تفرقت بين مكتبات خاصة، ولا توجد دراسة شاملة متاحة توثق روادها بأسماء وتواريخ يمكن الوثوق بها. من يريد كتابة هذا الفصل عليه العودة إلى مجموعات الصحف في المكتبة الوطنية ودار الأسد، وهي مهمة بحثية ما زالت مفتوحة.
الموثق جيداً يبدأ من الستينيات، حين استقرت الصحافة السورية في قالب صحف الدولة اليومية، وخصصت هذه الصحف مساحة ثابتة للرسم الساخر. مفارقة المرحلة أن الكاريكاتير ازدهر تحت سقف رقابي واطئ: ممنوع الاقتراب من الرأس، مسموح النيل من البيروقراطي والمحتكر والمهرب. ضمن هذا الهامش تطورت حرفة حقيقية.
مدرسة الصفحة الأخيرة
الاسم الذي اختزل المرحلة هو علي فرزات: من صحيفة الثورة عام 1969 إلى تشرين منتصف السبعينيات، حيث صار رسمه اليومي أشهر مساحة في الصحافة السورية. أسلوبه - رسم بلا تعليق، شخصيات نمطية لا أفراد - لم يكن خياراً جمالياً فقط بل تقنية نجاة من الرقيب: الرسم الذي لا يسمي أحداً لا يمكن محاسبته بسهولة، والرسم الذي لا يحتاج ترجمة يسافر. هكذا وصلت رسوم سورية إلى لوموند منذ 1980 وإلى مهرجانات الغرافيك الدولية.
حول فرزات اشتغل جيل كامل من الرسامين في الصحف والمجلات السورية، لكن شهرة الاسم الواحد طغت على الباقين - وهذه بحد ذاتها من سمات المرحلة: مساحة واحدة ضيقة لا تتسع لكثيرين.
الدومري: العامان الاستثنائيان
شباط 2001. ضمن انفتاح «ربيع دمشق» القصير، حصل فرزات على أول ترخيص لصحيفة مستقلة منذ 1963 وأطلق الدومري، صحيفة ساخرة بالكامل. للمرة الأولى منذ عقود لم يكن الرسم الساخر ضيفاً على صحيفة جادة، بل صاحب البيت. الأعداد الأولى نفدت من الأكشاك، والقراء الذين اعتادوا البدء من الصفحة الأخيرة وجدوا أخيراً صحيفة كلها صفحة أخيرة.
انتهت التجربة عام 2003 بسحب الترخيص. عامان فقط، لكنهما غيّرا سقف الممكن في أذهان جيل من الرسامين والصحفيين الشباب، وسيظهر أثرهما بعد ثماني سنوات.
2011: الرسم يخرج من الصحيفة
مع انطلاق الاحتجاجات في آذار 2011 حدث انقلابان دفعة واحدة. الأول في الوسيط: هجر الكاريكاتير الورق إلى الشاشات، وصار الرسم ينتشر في ساعات عبر وسائل التواصل بلا رقيب ولا مطبعة. والثاني في الموضوع: سقطت المحرمات القديمة، وصار الرأس نفسه مادة الرسم اليومي.
الرد جاء سريعاً وعنيفاً. في 25 آب 2011 كسر ملثمون يدي فرزات في دمشق، فتحولت صورة يديه المضمدتين إلى أيقونة عالمية عن ثمن الرسم. وفي الأرياف المنتفضة ولدت سخرية بصرية من طراز جديد: بلدة كفرنبل في ريف إدلب صارت تعرف عالمياً بلافتاتها ورسومها الساخرة التي تعلق أمام الكاميرات كل جمعة، حتى اغتيل الناشط رائد فارس، أبرز القائمين عليها، في تشرين الثاني 2018. هذا الفصل جزء من قصة أوسع نرويها في الحرب والفن السوري.
المنفى: خريطة جديدة
بعد 2011 توزع الرسامون السوريون على خريطة الشتات نفسها التي توزع عليها زملاؤهم التشكيليون: برلين وباريس وإسطنبول وعواصم الخليج. المنفى أعطى حرية كاملة في الموضوع وأخذ في المقابل الجمهور اليومي الواسع؛ رسام الصحيفة الذي كان يصل إلى مئات الآلاف كل صباح صار يخاطب متابعيه على الشبكات ويعمل لمنصات عربية ودولية متفرقة. وبعض التجارب الغرافيكية السورية في المنفى خرجت من الكاريكاتير الصحفي إلى الفن المعاصر تماماً، كما في أعمال سلافة حجازي الرقمية.
أين الأرشيف؟ وأين السوق؟
يبقى سؤالان عمليان يطرحهما القارئ المقتني. الأول: أين تقرأ هذا التراث؟ الجواب المحبط أن معظمه ما زال حبيس مجلدات الصحف الورقية؛ لا مكتبة رقمية عامة تجمع كاريكاتير الثورة وتشرين عبر العقود، ومبادرات الأرشفة الفردية متناثرة. من يمتلك مجلدات صحف سورية قديمة يمتلك عملياً المصدر الأول لتاريخ هذا الفن.
والثاني: هل للكاريكاتير السوري سوق؟ الرسوم الأصلية بالحبر - حين تظهر - تباع خارج قنوات المزادات الكبرى غالباً، بأسعار متواضعة قياساً إلى اللوحات، وهذا تحديداً ما يجعلها مدخلاً ذكياً لمقتنٍ يبني مجموعة عن الثقافة البصرية السورية بميزانية محدودة. القاعدة الوحيدة الصارمة: وثق مصدر الرسم وتاريخ نشره، فقيمة القصاصة في سياقها.
المحصلة بعد قرن: فن ولد في هامش الصفحة الأخيرة، وعاش عقوداً على حيلة الرمز والنمط، ثم دفع ثمن الكلام الصريح يدين مكسورتين ومنفى جماعياً - وما زال يرسم. لمحة أوسع عن السياق التشكيلي الذي تحرك فيه هذا الفن في تاريخ الفن السوري الحديث، وبقية الملفات في فهرس المقالات.
أسئلة شائعة
متى بدأ الكاريكاتير في سوريا؟
الرسم الساخر رافق الصحافة السورية منذ النصف الأول من القرن العشرين، لكن أرشيف تلك المرحلة مبعثر وقلما دُرس. المرحلة الموثقة جيداً تبدأ من الستينيات مع صحف الدولة اليومية (الثورة وتشرين) التي خصصت مساحة يومية ثابتة للكاريكاتير.
ما أهمية صحيفة الدومري؟
أطلقها علي فرزات في شباط 2001 كأول صحيفة مستقلة مرخصة في سوريا منذ 1963، وكانت ساخرة بالكامل: رسوم ونصوص تنتقد الفساد والبيروقراطية. أغلقت عام 2003 بسحب الترخيص، لكنها أثبتت وجود جمهور واسع للصحافة الساخرة.
ماذا حدث للكاريكاتير السوري بعد 2011؟
انفجر إنتاجاً وتوزع جغرافياً. الرسوم صارت تنشر على وسائل التواصل بدل الصفحة الأخيرة، ودفع رسامون ثمناً جسدياً مباشراً كما حدث مع فرزات في آب 2011، وواصل كثيرون عملهم من المنفى في أوروبا وتركيا والخليج.