الملصق السوري: فن الإعلان والسينما والحرب
٦ أيلول ٢٠٢٦
فوق مدخل سينما في شارع الكندي بدمشق أو سينما راميتا في حلب، كانت تعلق لوحة قماشية بعرض الواجهة: وجوه الممثلين مكبرة بألوان زيتية صارخة، رسمها معلم أفيشات لا يعرف اسمه أحد خارج المهنة. هذه اللوحات التي رافقت السينما السورية عقوداً اختفت مع دورها، ولم يلتفت إليها أحد إلا بعد فوات الأوان. قصة الملصق السوري كلها على هذا المنوال: فن حاضر في كل شارع، غائب عن كل أرشيف.
البدايات: ملصق بلا توثيق
السينما وصلت سوريا مبكراً - أول عرض وثق في مقهى حلبي عام 1908، وأول فيلم روائي سوري («المتهم البريء») أنتج عام 1928. ومع كل صالة افتتحت في دمشق وحلب وحمص جاءت الحاجة إلى الإعلان المرسوم: أفيشات مستوردة للأفلام الأجنبية، ولوحات محلية ترسم باليد للواجهات وتبدل مع كل فيلم.
هنا يجب قول الحقيقة كاملة: لا نملك دراسة منشورة موثوقة تؤرخ لمعلمي الأفيش السوريين بأسمائهم وأعمالهم، على عكس مصر التي وثقت مدرسة الأفيش المصري نسبياً. ما نعرفه يأتي من الذاكرة الشفوية وصور الشوارع القديمة. من يقتني اليوم أي ملصق سينمائي سوري مطبوع قبل السبعينيات يحمل قطعة نادرة فعلاً - ليس لقيمة فنية موثقة بعد، بل لندرة ما نجا أصلاً.
عصر الدولة: ملصق المؤسسات
بعد 1963 دخل الملصق السوري طوره الثاني. تأسست المؤسسة العامة للسينما في العام نفسه لتحتكر الإنتاج الرسمي، وصار لكل فيلم من أفلامها ملصق يصمم محلياً. وإلى جانب السينما عملت آلة الدولة الإعلامية كلها بالملصق: التوعية الصحية، الحملات الزراعية، المناسبات الرسمية، ملصقات المهرجانات الثقافية ومعارض دمشق الدولية.
خريجو كلية الفنون الجميلة، وتحديداً قسم الاتصالات البصرية، هم من حمل هذا العبء عملياً، وبعض التشكيليين المعروفين مروا بتصميم الملصق في بداياتهم كما مر زملاؤهم المصريون واللبنانيون. لكن التوثيق المنشور لهذه المرحلة شحيح بدوره؛ الملصقات طبعت بآلاف النسخ ورميت بعد انتهاء مناسبتها، ولم تجمعها أي مؤسسة سورية في أرشيف عام متاح. المفارقة أن أفضل مكان تجد فيه ملصقات سورية من تلك العقود اليوم هو مواقع المزادات الأجنبية ومجموعات هواة الغرافيك العربي.
2011: عودة الملصق سلاحاً
ثم جاءت اللحظة التي أعادت الملصق إلى مركز الحياة السورية. من بلدة كفرنبل في ريف إدلب خرجت كل جمعة لافتات مرسومة ومكتوبة بالعربية والإنكليزية، ساخرة وموجعة، صورتها الكاميرات فطافت العالم وصارت البلدة الصغيرة أشهر منبر غرافيكي في الثورة السورية. استمرت الظاهرة سنوات، ودفع أبرز القائمين عليها، الناشط رائد فارس، حياته ثمناً حين اغتيل في تشرين الثاني 2018.
وعلى الشبكات ولد جيل كامل من الملصق الرقمي: مجموعات تصميم مجهولة الأسماء غالباً لأسباب أمنية، أنتجت ملصقات تنزل في اليوم نفسه للحدث، تستعيد بصرياً تقاليد الملصق السياسي العالمي وتطعمها بالخط العربي والسخرية المحلية. الوسيط تغير - شاشة بدل جدار، مشاركة بدل طباعة - لكن الوظيفة القديمة نفسها عادت: صورة واحدة مكثفة تقول الموقف لمن يمر مسرعاً.
للمقارنة الإقليمية معنى هنا. الملصق الفلسطيني حظي منذ السبعينيات بأرشفة ودراسات ومعارض جعلته حقلاً معترفاً به عالمياً، والملصق المصري السينمائي صار سوق مقتنيات قائمة بذاتها. الملصق السوري يملك مادة لا تقل غنى عن الاثنين - لكنه لم يجد بعد من ينظم له الذاكرة. هذه الفجوة بين قيمة المادة وغياب مؤسستها هي عنوان الفرصة لأي باحث أو مؤسسة ثقافية سورية اليوم.
هذا الفصل الرقمي تقاطع مع الفن المعاصر مباشرة. عمل تمام عزام «غرافيتي الحرية» الذي ركّب قبلة كليمت على جدار مهدم انتشر انتشار الملصقات تماماً، ونقرأه ضمن قصة الحرب والفن السوري الأوسع، إلى جانب الكاريكاتير الذي عاش التحول نفسه من الورق إلى الشاشة.
ما الذي يستحق الاقتناء والتوثيق؟
للمهتم بهذا الحقل ثلاث دوائر عملية. الأولى: أي ملصق سينمائي أو رسمي سوري مطبوع قبل التسعينيات قطعة أرشيفية نادرة تستحق الحفظ الفوري مهما بدت حالتها. الثانية: ملصقات الثورة الرقمية متاحة مجاناً بطبيعتها، وقيمتها في التوثيق المنظم لا الندرة - جمعها وتأريخها بدقة (من صمم، متى، لأي حدث) عمل ثقافي ما زال ناقصاً. والثالثة: طبعات الفنانين المعاصرين المحدودة التي خرجت من هذا المزاج الغرافيكي، وهذه تعامل معاملة الطبعات الفنية في السوق.
وثمة خيط جمالي يستحق المتابعة عبر العصور الثلاثة كلها: الخط العربي. من عناوين الأفيشات المرسومة بخط الثلث العريض، إلى تايبوغرافيا ملصقات المؤسسات، إلى لافتات كفرنبل المكتوبة بخط اليد أمام الكاميرا - ظل الحرف العربي العمود الفقري للملصق السوري، حاملاً وحده أحياناً كل عبء التصميم. من يهتم بهذا الخيط يجد امتداده التشكيلي عند الخطاطين السوريين المعاصرين.
الملصق السوري لم يحظ بعد بكتابه ولا بمعرضه الاستعادي الكبير. حين يحدث ذلك، سيكتشف كثيرون أن تاريخاً بصرياً كاملاً كان معلقاً على جدرانهم طوال الوقت: إعلان مشروب غازي رسم في الخمسينيات، ملصق مهرجان مسرحي من الثمانينيات، لافتة جمعة من 2012. كل واحدة منها كانت تصرخ ليوم واحد ثم ترمى، وكلها معاً تحكي البلد أدق مما تحكيه كتب كثيرة. بقية ملفات تاريخ الفن في فهرس المقالات.
أسئلة شائعة
هل يوجد أرشيف للملصق السوري القديم?
لا يوجد أرشيف عام شامل. أفيشات السينما التجارية وملصقات الدولة تفرقت بين مجموعات خاصة ومخازن المؤسسات، وما نجا منها قلما رُقمن. توثيق هذا التراث الغرافيكي ما زال مهمة مفتوحة أمام الباحثين والمقتنين.
ما دور المؤسسة العامة للسينما في الملصق؟
تأسست المؤسسة عام 1963 واحتكرت الإنتاج السينمائي الرسمي، وكانت أفلامها تحتاج ملصقات تصمم وتطبع محلياً. هذا جعلها من أبرز الجهات التي شغّلت مصممين ورسامين على الملصق لعقود، وإن بقيت أسماء معظمهم خارج التوثيق المنشور.
ماذا حدث للملصق السوري بعد 2011؟
انتقل من المطبعة إلى الشاشة. لافتات كفرنبل الأسبوعية الساخرة صارت ظاهرة عالمية، وأنتجت مجموعات تصميم سورية ملصقات رقمية بالآلاف نُشرت على وسائل التواصل، وعاد الملصق أداة سياسية يومية كما كان في ذروة القرن العشرين.