المشهد التشكيلي الحلبي: من مرسم الكيالي إلى صالة تشرين

6 September 2026

في مزاد سوذبيز بالرياض عام 2025 صعدت لوحة للؤي كيالي إلى نحو 900 ألف دولار، وهو أعلى سعر يدفعه أحد في تاريخ الفن السوري كله. الرجل الذي رسمها وُلد في حلب عام 1934، وفي حلب مات عام 1978. المدينة التي تتصدر أعمالها المزادات العالمية اليوم هي نفسها التي خرجت من الحرب بأثقل الخسائر بين المدن السورية. هذه المفارقة هي قصة المشهد التشكيلي الحلبي بأكمله.

المدينة التي أعطت الاسمين الأغلى

لم تكن حلب عاصمة الفن السوري إدارياً في أي يوم - الكلية والوزارة والصالات الكبرى كانت في دمشق - لكنها أنجبت القامتين اللتين يقيس بهما السوق كل شيء.

فاتح المدرس وُلد في حلب عام 1922، وبدأ رساماً واقعياً علّم نفسه بنفسه قبل أن يمضي إلى أكاديمية الفنون الجميلة في روما ويعود محمّلاً بسريالية مطعّمة بوجوه ريف الشمال وأيقوناته. لؤي كيالي وُلد بعده باثني عشر عاماً، وعُرضت أعماله لأول مرة عام 1952 وهو طالب في مدرسة التجهيز، ثم درس في روما بدوره. التقى الرجلان في منتصف الخمسينيات، وفي عام 1960 مثّلا سورية معاً في بينالي البندقية - حلبيّان اثنان في أول حضور سوري وازن هناك.

الفرق بينهما يلخص جناحي المدينة: المدرس ذهب إلى الأسطورة والتجريب، والكيالي بقي عند ماسحي الأحذية وبائعي اليانصيب والمتعبين، يرسمهم بخط صافٍ وحنان لا يشبه أحداً. حين تصدّرت أعمالهما مزادات كريستيز وسوذبيز بعد عقود - المدرس عند 374.5 ألف دولار في دبي عام 2010، والكيالي عند رقمه القياسي - لم يكن ذلك صعوداً مفاجئاً بل تصحيحاً متأخراً. قصة كل منهما مفصّلة في صفحتيهما: لؤي كيالي وفاتح المدرس.

محطات المشهد الحلبي من 1922 إلى اليوم

جيل ما بعد الروّاد: المدينة موضوعاً

الجيل التالي لم يغادر المدينة حتى وهو يرسمها. سعد يكن، المولود في حي الفرافرة عام 1949 والمتخرج من مركز الفنون التشكيلية بحلب، شارك منذ منتصف الستينيات في المعارض الرسمية ثم راكم أكثر من مئة معرض جماعي داخل سورية وخارجها. عنده تتحول الحارة الحلبية ومقاهيها ووجوهها إلى مسرح تعبيري مزدحم، بعيد عن صفاء الكيالي وقريب من ضجيج المدينة الفعلي.

حول هذه الأسماء اشتغلت شبكة أوسع من الخريجين والمدرّسين - معهد فتحي محمد للفنون التشكيلية كان لعقود الرافد التعليمي الأساسي للمدينة - لكن التوثيق المتاح عنها أقل بكثير مما تستحق. من ينقّب في أرشيف المعارض الحلبية بين السبعينيات والألفين يجد عشرات الأسماء التي لم يكتب عنها أحد خارج الصحافة المحلية، وهذه فجوة حقيقية في تاريخ الفن السوري لا نريد ردمها بالإنشاء.

الحرب: الخسارة الأفدح

بين 2012 و2016 كانت حلب خط جبهة. المراسم أُغلقت أو دُمرت، والفنانون توزعوا بين دمشق واللاذقية وإسطنبول وأوروبا، وقسم من الإنتاج الفني الحلبي خرج من البلاد في حقائب أو ضاع. أثر هذا التهجير على الخريطة الفنية السورية كلها مشروح في مقال الفن السوري بين إسطنبول وبرلين، وحلب كانت المصدر الأكبر لتلك الموجة قياساً إلى حجم وسطها الفني.

ما الذي يعود اليوم؟

منذ نهاية 2024 بدأ نبض معارض يعود إلى المدينة، رسمياً في معظمه. صالة تشرين للفنون التشكيلية استضافت في آب 2025 معرضاً جماعياً ضم عشرات الفنانين، والمتحف الوطني بحلب عرض «الذاكرة الإبداعية» بمئتي لوحة، ونظمت مديرية الثقافة واتحاد الفنانين التشكيليين معارض جماعية تجاوز بعضها 35 مشاركاً. الموضوعات كما تتوقع: المدينة، الخراب، العودة.

الصورة الصادقة إذاً: مشهد يتنفس من جديد لكنه ما زال بلا سوق. لا صالة تجارية حلبية توازي صالات دمشق التي نرصدها في دليل صالات دمشق، ولا وسيط محترف يمثل الفنانين الحلبيين الشباب. من يريد اقتناء عمل من حلب اليوم يشتري غالباً من الفنان مباشرة أو عبر صالات العاصمة والمنصات الخارجية - وقواعد الشراء الآمن نفسها تنطبق، كما في دليل شراء الفن السوري.

المدينة التي علّمت السوق السورية أغلى دروسها تستحق أن يُنتبه لمشهدها وهو يقوم من تحت الركام، لا بعد أن تصل أعماله إلى المزادات بأربعين عاماً كالعادة.

FAQ

من هم أشهر الفنانين التشكيليين من حلب؟

لؤي كيالي (1934-1978) وفاتح المدرس (1922-1999) هما الاسمان الأغلى في السوق، وكلاهما وُلد في حلب ومثّلا سورية معاً في بينالي البندقية عام 1960. من الجيل التالي سعد يكن (مواليد 1949) الذي بقي مرتبطاً بالمدينة وحاراتها في معظم أعماله.

هل توجد صالات عرض نشطة في حلب اليوم؟

النشاط عاد بعد 2024 عبر الصالات الرسمية أساساً: صالة تشرين للفنون التشكيلية، وقاعات المتحف الوطني بحلب، ومعارض مديرية الثقافة واتحاد الفنانين التشكيليين. صالات القطاع الخاص التجارية بمستوى صالات دمشق لم تعد بعد.

كم تساوي لوحات الفنانين الحلبيين في المزادات؟

لؤي كيالي يحمل الرقم القياسي لأي عمل فني سوري: نحو 900 ألف دولار في مزاد سوذبيز بالرياض عام 2025. وفاتح المدرس سجل 374.5 ألف دولار في كريستيز دبي عام 2010. أعمال الأجيال الأحدث تتداول بأسعار أدنى بكثير وغالباً خارج المزادات الكبرى.