مشاهد الشتات: الفن السوري في إسطنبول وبرلين

٦ أيلول ٢٠٢٦

في حي يلدغيرمني بقاضي كوي، على الجانب الآسيوي من إسطنبول، ثمة بناء من ثلاثة طوابق تسمع فيه العربية أكثر من التركية. محترفات، غرفة تحميض، استوديو تسجيل، صالة عرض، وقهوة دائمة على النار. هذا «arthere» - المكان الذي صار منذ 2014 غرفة معيشة لفناني سوريا في المنفى التركي. وعلى بعد ألفي كيلومتر، في برلين، يعمل فريق آخر على مشروع مختلف تماماً: فهرسة فناني بلد كامل تناثروا في أربعين دولة.

الشتات السوري لم ينتج جالية فنية واحدة، بل مشهدين مختلفين في المزاج والوظيفة. إسطنبول مشغل، وبرلين منصة.

إسطنبول: المشغل

حين وصل المصور عمر بركدار إلى إسطنبول عام 2012، وجد ما وجده مئات الفنانين السوريين: مدينة عملاقة بلا مكان للعمل. لا محترف، لا جماعة، لا جدار يعلّق عليه عملاً. الجواب كان «arthereistanbul» عام 2014 - مساحة أسسها فنانون سوريون لفنانين سوريين، ثم اتسعت بطبيعتها لتشمل أتراكاً وأجانب، حتى صارت من محطات بينالي إسطنبول السابع عشر.

الفكرة الأعمق في المكان أنه لا يشبه الصالات: لا أحد يمثّل أحداً، ولا نسبة من المبيعات تمر عبره بالمعنى التجاري الصارم. هو نقطة لقاء وإنتاج - المكان الذي تُنجز فيه الأعمال قبل أن تسافر إلى صالات لندن ودبي. ومع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة على السوريين في تركيا، صار دوره كشبكة أمان اجتماعية بقدر ما هو فني.

برلين: المنصة والإرث

برلين حالة أخرى. المدينة استقبلت الكتلة الأكبر من فناني سوريا في أوروبا بعد 2015، لكنها لم تكن أرضاً بكراً - كان فيها إرث اسمه مروان.

مروان قصاب باشي، المولود في دمشق عام 1934، وصل برلين عام 1957 ودرس الرسم في كلية الفنون التشكيلية على يد هان ترير، زميلاً لجيل بازليتس وشونيبك. صعد سلّم المدينة الفنية درجة درجة: أستاذاً في جامعة الفنون من 1980 حتى تقاعده عام 2002، ثم أول عضو عربي في أكاديمية الفنون عام 1994. وجوهه الضخمة المذابة بين الشرق والغرب صارت من علامات التصوير الألماني المعاصر، وبقي حتى رحيله عام 2016 جسراً حياً بين دمشق وبرلين.

على هذه الأرضية بنى الجيل الجديد. الفنان خالد بركة - خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق وأكاديمية شتيدل في فرانكفورت - أسس عام 2017 منظمة «coCulture» غير الربحية، وأطلق منها «الفهرس الثقافي السوري»: قاعدة بيانات تتعقب الفنانين السوريين المشتتين حول العالم وتصلهم بالمؤسسات والفرص، إلى جانب مبادرة «بينالي سوريا» وبرامج دعم للقطاع الثقافي المهجّر.

مساحات الفن السوري في الشتات

ماذا يعني هذا كله للمشهد الأم؟

الشتات لم يعد ملحقاً بالمشهد السوري - صار نصفه. الأسماء التي تصنع أسعار المزادات اليوم تعمل من برلين ولندن ودبي وباريس، والمؤسسات التي توثق وتفهرس تعمل من خارج الحدود، من مؤسسة أتاسي في دبي إلى coCulture في برلين. حتى غاليري أيام، الذي دوّل هذا الفن أصلاً، فعلها من المنفى.

بعد 2024 انفتح سؤال العودة. بعض المقيمين في إسطنبول زاروا دمشق فعلاً، وصالات المدينة بدأت تعرض أعمالاً مرسلة من الخارج، بينما يقف المشهد كله أمام لحظة اختبار: هل تعود الطاقة المتراكمة في المنافي لتصب في الداخل، أم تبقى الجغرافيا مزدوجة إلى جيل قادم؟ مقالنا عن الفن السوري بعد 2024 يتتبع هذا السؤال، وجناح سوريا في بينالي البندقية 2026 يقدم أول جواب رسمي عليه. المزيد في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

ما هو arthereistanbul وهل يمكن زيارته؟

مساحة فنية غير ربحية أسسها المصور السوري عمر بركدار عام 2014 في حي يلدغيرمني بمنطقة قاضي كوي على الجانب الآسيوي من إسطنبول. تشغل ثلاثة طوابق تضم مساحات عرض ومحترفات واستوديو تسجيل وغرفة تحميض، وهي مفتوحة للزوار وتقيم معارض وفعاليات دورية.

ماذا تفعل مؤسسة coCulture في برلين؟

أسسها الفنان خالد بركة عام 2017 كمنظمة غير ربحية تدعم الفنانين المهجّرين، وأبرز مشاريعها «الفهرس الثقافي السوري» - قاعدة بيانات تجمع الفنانين السوريين المشتتين حول العالم - إلى جانب مبادرة بينالي سوريا وبرامج دعم أخرى.

لماذا يعتبر مروان قصاب باشي أباً لمشهد برلين؟

لأنه سبق الجميع بنصف قرن: وصل برلين عام 1957، ودرس فيها، ثم صار أستاذاً في جامعة الفنون فيها من 1980 حتى 2002، وأول عضو عربي في أكاديمية الفنون عام 1994. وجوده أعطى الفنانين السوريين الواصلين بعد 2011 سابقة ومرجعاً وشرعية.