عزة أبو ربعية: الحفر والسجن والشهادة
6 September 2026
في زنزانة مكتظة بسجن عدرا قرب دمشق، بقلم رصاص وورق حصلت عليهما بشق النفس، رسمت عزة أبو ربعية وجوه النساء اللواتي شاركنها المكان: رامة، رئيفة، هيام، مريم، والمدونة طل الملوحي. لم تكن تعرف أن هذه الرسوم ستخرج من الجدران لتعرضها منظمة العفو الدولية، وأنها ستتحول من تسلية سجينة إلى واحدة من أكثر الشهادات البصرية توثيقاً عن معتقلات سوريا.
حفارة من حماة
ولدت أبو ربعية في حماة عام 1980، وتخرجت عام 2002 في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق متخصصة في الحفر والطباعة. اختيار الوسيط لم يكن بريئاً من المعنى: الحفر على النحاس فن الأسود والأبيض والطبعات المتعددة، الفن الذي استخدمه غويا قبل قرنين ليجعل صور الحرب تتداول من يد إلى يد. هذه المقارنة ستلاحقها لاحقاً في كل ما كتب عنها، وهي نفسها تعلن انتسابها إلى ذلك النسب: نالت إقامة فنية لدراسة غويا في إسبانيا، قبل أن يصطدم المشروع برفض التأشيرة.
حين اندلعت الأحداث عام 2011 وثّقت ما يجري بالمحفورات والغرافيتي، وصنعت الدمى للأطفال في المناطق المحاصرة. في 2012 هُرّبت أعمالها مع أعمال فنانين سوريين آخرين إلى لندن لعرض تضامني، ونقلت الغارديان حينها اسمها وعنوان محفورتها من سلسلة «الكتاب السوري» التي سخرت من بسطار السلطة.
وفي 2014، قبل اعتقالها، اقتنى المتحف البريطاني ثلاثة من محفوراتها. مفارقة موجعة: المؤسسة المتحفية الأعرق كانت قد أدخلت اسمها سجلاتها قبل أن يدخل الاسم نفسه سجلات فرع أمني.
الاعتقال والرسم خلف الجدران
في أيلول 2015 اعتقلت في دمشق، بحسب تحقيق نيويورك تايمز المفصل عام 2018: استدرجت إلى مقهى كان رجال الأمن ينتظرونها فيه. أمضت نحو سبعين يوماً في زنازين الأفرع الأمنية، في غرفة ضيقة تتقاسمها خمس عشرة امرأة، قبل نقلها إلى سجن عدرا حيث تقاسمت زنزانة مع نحو ثلاثين أخرى. هناك بدأ المشروع الذي لم تخطط له: بورتريهات بقلم الرصاص لرفيقات المحبس، وجوهاً لنساء كان العالم الخارجي قد كفّ عن رؤيتها. الرسم هنا لم يكن ترفاً ولا علاجاً فحسب، بل فعل تسجيل: هذه المرأة كانت هنا، بهذه الملامح، في هذا التاريخ.
أفرج عنها عام 2016 وغادرت إلى بيروت وقضيتها لم تغلق. وفي آب 2017 عرضت منظمة العفو الدولية بورتريهات المعتقلات ضمن معرض «عشرات الآلاف» في ستيشن بيروت، الذي افتتح في اليوم العالمي للمختفين قسراً - والاسم إحالة إلى عشرات آلاف المغيبين في سوريا الذين لا صور لهم أصلاً. لم تعد الرسوم أعمالاً فنية فحسب؛ صارت أدلة حضور لنساء غيّبتهن الجدران، وصار فن الطباعة - القابل بطبيعته للتكرار والتداول - وسيلة لمضاعفة الشهادة بعدد النسخ.
من بيروت إلى روما ونيويورك
في بيروت عادت أبو ربعية إلى الحفر على النحاس، معظم أعمالها أحادية اللون كما يليق بذاكرة مكان بلا ألوان، وأضافت وسيطاً وُلد من تجربة السجن نفسها: أعمال من خيوط منسولة من بطانية سجن مشدودة على التول. أقامت عام 2018 معرضاً فردياً في غاليري 392رميل393 بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون، وفي العام نفسه خصصتها نيويورك تايمز بتحقيق موسع قارن مشروعها بمحفورات غويا عن كوارث الحرب.
أعمال ما بعد السجن تحمل طبقة مادية جديدة: إلى جانب النحاس والحمض، خيوط منسولة من بطانية سجن حقيقية مشدودة على قماش التول، فتصير خامة العقوبة نفسها خامة العمل. وجوه المعتقلات التي بدأت رسوماً سرية بقلم رصاص عادت في المحفورات اللاحقة أكبر حجماً وأثبت حضوراً، كأن الفنانة تعيد لكل واحدة منهن المساحة التي حرمت منها في الزنزانة.
التتويج المؤسسي جاء تباعاً: مشاركة في معرض «القلم مفتاح» لفناني السجون في مركز الرسم بنيويورك (2019-2020)، وزمالة صندوق حماية الفنانين في الأكاديمية الأمريكية في روما من أيلول 2019 حتى شباط 2020، وتذكر مؤسسة أتاسي أن أعمالها عرضت في مدن تمتد من دمشق وبيروت إلى باريس وأوسلو ونيويورك وشيكاغو.
ملاحظة عملية لمن يبحث عن أعمالها: اسمها يكتب لاتينياً بأكثر من صيغة - Abo Rebieh وAbou Rebieh وAbo Rabieh - فمن يفتش في قواعد بيانات المتاحف أو المزادات يحسن أن يجرب الصيغ الثلاث.
لماذا تبقى هذه التجربة مرجعاً؟
في فن الحرب السورية أعمال كثيرة عن المعتقلات، لكن القليل منها رسم من الداخل، بيد من عاشت ما ترسمه. تلك المسافة الصفرية بين الشاهد والموضوع هي التي لا يستطيع أي فنان آخر تعويضها بالخيال أو البحث، مهما بلغت مهارته. هذا ما يمنح محفورات أبو ربعية ثقلها التوثيقي إلى جانب قيمتها الفنية، ويجعلها اسماً ثابتاً في أي قراءة لجيل فنانات سوريا بعد 2011، إلى جانب سلافة حجازي التي وثقت الحرب رقمياً من دمشق ثم برلين، وديانا الحديد التي تستحضر حلب نحتاً من نيويورك. ثلاث طرق في الشهادة، وطريق أبو ربعية أكثرها كلفة شخصية.
المزيد من ملفات الفنانين في فهرس المقالات.
FAQ
من هي عزة أبو ربعية؟
فنانة حفر سورية من مواليد حماة عام 1980، تخرجت في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 2002 متخصصة بالحفر والطباعة. اعتقلت عام 2015 بسبب نشاطها الإنساني، ورسمت خلال احتجازها في سجن عدرا بورتريهات لرفيقاتها المعتقلات. تقيم في بيروت منذ إطلاق سراحها.
ما قصة رسوم السجن؟
خلال احتجازها في سجن عدرا حصلت على أقلام وورق ورسمت النساء اللواتي شاركنها الزنزانة، ووثقت الصحافة أسماء بعضهن ومنهن المدونة طل الملوحي. عرضت منظمة العفو الدولية هذه البورتريهات عام 2017 في بيروت ضمن معرض عن المغيبين في سوريا.
أين تقتنى أعمالها؟
اقتنى المتحف البريطاني ثلاثة من محفوراتها عام 2014 قبل اعتقالها، وعرضت أعمالها في مركز الرسم بنيويورك ضمن معرض عن فناني السجون، ونالت زمالة صندوق حماية الفنانين في الأكاديمية الأمريكية في روما بين 2019 و2020.