الوجه في التشكيل السوري: من مروان إلى داحول وصبحان آدم
6 September 2026
ثلاثة وجوه تختصر التصوير السوري الحديث. رأس ضخم مائل تُقرأ ملامحه كما تُقرأ خريطة جبلية. امرأة مغمضة العينين بوجه قمري لا لون فيه تقريباً. وكائن بعينين هائلتين ورقبة طويلة يحدق فيك ببدلة زاهية. أصحابها ثلاثة فنانين من ثلاثة أجيال، لم يتفقوا على شيء تقريباً إلا على قرار واحد: وجه واحد، يُرسم مدى الحياة.
مروان: الوجه بلاداً
بدأ الأمر في برلين. مروان قصاب باشي، الدمشقي المولود عام 1934 والمهاجر إلى ألمانيا عام 1957، رسم في الستينات شخوصاً ملتوية في فراغات ضاغطة، ثم مرّ بمرحلتي «الوجوه-المناظر الطبيعية» و«الماريونيت» في مطلع السبعينات. ومنذ منتصف السبعينات استقر على موضوعه النهائي: الرأس البشري، مبنياً بطبقات لونية تُبنى وتُهدم حتى تصير الملامح تضاريس أرض.
قال مروان مراراً إنه لا يرسم بورتريهات. رؤوسه ليست أشخاصاً بأسماء بل الرأس كمكان، يزوره كل مرة بضوء مختلف. أربعون عاماً من الرؤوس حتى وفاته في برلين عام 2016 جعلت التكرار مقياساً: رأس من 1976 ورأس من 1996 يفترقان افتراق الشجرة بين فصلين. وفي هذا القرار وضع مروان حجر الأساس لما سيفعله من بعده اثنان لم يلتقيا به على مقعد دراسة واحد.
داحول: الوجه مقياساً للعتمة
صفوان داحول، المولود في حماة عام 1961، بدأ سلسلة «حلم» في أواخر الثمانينات ولم يتوقف. كل لوحة كبيرة تحمل العنوان نفسه ورقماً جديداً، وقد تجاوز العدّاد المئة بعشرات الأعمال. في قلب كل منها امرأة واحدة: مغمضة العينين، وجه مستدير كقمر، جسد منحنٍ داخل كادر يضيق عليه كجدار، وحدود لونية صارمة بين الأبيض والرمادي والأسود.
المرأة النائمة ليست شخصية بقدر ما هي أداة قياس. عليها تُقاس العزلة والحداد والانتظار في كل مرحلة من حياة الفنان، من دمشق إلى منفاه في دبي. حين رسم «حلم 72» عام 2013، في السنوات الأولى للحرب، لم يحتج إلى ركام ولا دم؛ يكفي أن الكادر ضاق على المرأة أكثر. الوجه المغمض نفسه صار يقول ما تعجز عنه عشرات اللوحات الصريحة.
آدم: الوجه مرآةً مشوهة
ثم جاء من خارج الخريطة كلها. صبحان آدم، المولود في الحسكة عام 1973، لم يدخل كلية فنون ولم يجلس في مرسم أستاذ. علّم نفسه بنفسه، وبنى منذ التسعينات سلسلته «كائنات العزلة»: شخوص هجينة بين الإنسان والحيوان، رؤوس ضخمة وأطراف نحيلة وثياب زاهية تزيد المفارقة قسوة.
السر الذي يلاحظه من يرى عشرين لوحة له: كل هذه الوجوه المشوهة تحمل ملامح الرجل نفسه. آدم يرسم نفسه منذ ثلاثين عاماً، بورتريهاً ذاتياً ممتداً عبر مئات الأعمال، وصل إلى بينالي البندقية واقتنى المتحف البريطاني نماذج منه. حيث كان وجه مروان أرضاً ووجه داحول مقياساً، صار الوجه عند آدم اعترافاً: مرآة داخلية للعزلة والإحساس بعدم الانتماء، معلقة على الجدار بكامل أناقتها.
لماذا الوجه تحديداً؟
يمكن الاكتفاء بجواب تاريخ الفن: البورتريه أقدم أجناس التصوير، ولكل ثقافة نسختها. لكن الحالة السورية أكثر تحديداً. ثلاثة مشاريع كبرى امتدت عقوداً واختارت كلها وجهاً واحداً متكرراً بدل التنويع، وكلها أنجز قسمه الأكبر بعيداً عن سوريا أو في عزلة داخلها. الوجه الواحد المتكرر هو ما يفعله من فقد المشهد الواسع: حين تضيع البلاد يبقى الرأس، آخر أرض لا تُصادر.
ولهذه السلالة جذر أبعد مما يبدو؛ وجوه تدمر الجنائزية المنحوتة قبل ألفي عام كانت هي الأخرى بورتريهات جادة الملامح تحدق في الأبدية - نفصّل القرابة في بورتريهات تدمر الجنائزية. أما وجوه لؤي كيالي التي تنظر إلينا مباشرة فقصتها في ناس لؤي كيالي، والمزيد في فهرس المقالات.
FAQ
لماذا يحتل الوجه هذه المكانة في الفن السوري؟
لأن أهم ثلاثة مشاريع تصويرية سورية ممتدة - رؤوس مروان قصاب باشي منذ منتصف السبعينات، وسلسلة «حلم» عند صفوان داحول منذ أواخر الثمانينات، وكائنات صبحان آدم منذ التسعينات - اتخذت كلها من وجه واحد متكرر موضوعاً مدى الحياة، فصار التكرار نفسه لغة.
ما الفرق بين الثلاثة؟
مروان يرسم الرأس البشري كأرض، بطبقات لونية كثيفة تجعل الملامح تضاريس. داحول يرسم امرأة مغمضة العينين بالأبيض والرمادي والأسود، مقياساً للعزلة والانتظار. وآدم يرسم كائنات هجينة مشوهة تحمل ملامحه هو، بورتريهاً ذاتياً ممتداً عبر مئات اللوحات.
أين تُقتنى هذه الأعمال؟
رؤوس مروان في متحف شتيدل بفرانكفورت ومؤسسة برجيل ومؤسسة دلول، وأعمال داحول لدى غاليري أيام وفي مزادات سوثبيز، وكائنات آدم في مجموعات بينها المتحف البريطاني ومؤسسة برجيل، وكلها تظهر دورياً في مزادات فن الشرق الأوسط.