بورتريهات تدمر الجنائزية: أقدم وجوه سوريا

6 September 2026

امرأة تدمرية ترفع يدها إلى عقد على صدرها. عيناها واسعتان محددتان بالكحل الحجري، وعلى رأسها عمامة مزخرفة تحتها جدائل مرتبة، وإلى جانب كتفها سطران بالآرامية التدمرية: اسمها، واسم أبيها، وكلمة تتكرر على آلاف الأحجار المشابهة: «حبل» - وا أسفاه.

نُحتت قبل ثمانية عشر قرناً تقريباً، وهي اليوم في متحف أوروبي مضاء بعناية. لكنها لم تُنحت لمتحف. كانت غطاء قبر.

مدرسة البورتريه الأولى

بين القرن الأول والثالث الميلاديين، حين كانت تدمر مدينة قوافل ثرية تتوسط الطريق بين روما وفارس، طوّر أهلها عادة جنائزية لا مثيل لها في المنطقة: على فتحة كل قبر في المدفن العائلي يُثبَّت لوح من الحجر الكلسي المحلي منحوت على هيئة المتوفى النصفية. التاجر بثيابه وكتابه، الكاهن بقلنسوته، المرأة بحليها الكاملة وأحياناً بطفلها. البورتريه لم يكن ترفاً بل وظيفة: الوجه الحجري يحرس روح صاحبه ويقول للزائر من كان.

النتيجة، متراكمة عبر ثلاثة قرون، أكبر مجموعة بورتريهات من مكان واحد في العالم الكلاسيكي كله خارج روما نفسها. مشروع «بورتريه تدمر» الذي أطلقته جامعة آرهوس الدنماركية عام 2012 وثّق ورقمن أكثر من 3700 قطعة موزعة على متاحف العالم ومجموعاته. الأسلوب مزيج لا يشبه إلا نفسه: واجهة أمامية صارمة وعيون متضخمة من التقاليد الشرقية، وثنيات ثياب ودقة تشريح من روما، وزخرفة حلي من فارس. وجوه هجينة لمدينة هجينة.

والأهم مما نعرفه حديثاً: لم تكن هذه الوجوه بيضاء. فحوصات البوليكروميا على قطع مجموعة كوبنهاغن كشفت بقايا ألوان - بشرة مصبوغة، شفاه حمراء، كحل أسود، ذهب على الحلي. المقبرة التدمرية كانت معرض ألوان.

الشتات الحجري

كيف وصلت وجوه تدمر إلى كوبنهاغن؟ في أواخر القرن التاسع عشر جمع القنصل الدنماركي وتجار الآثار مئات القطع، فصار متحف ني كارلسبرغ غليبتوتيك يضم أكبر مجموعة تدمرية خارج سوريا. اللوفر والمتحف البريطاني ومتاحف أميركية اقتنت نصيبها. ثم جاءت الحرب لتفتح الجرح على آخره: بين 2015 و2017 فجّر تنظيم الدولة مدافن الأبراج - المقابر العائلية الشاهقة التي بُنيت بين القرنين الأول والثالث - وحطم وجوهاً في متحف تدمر بالمطرقة، فيما نُهبت مئات البورتريهات وتسربت إلى السوق السوداء. وجوه صمدت ألفي عام صارت بضاعة مهربة في حاويات.

من مدافن تدمر إلى بينالي البندقية

من المدفن إلى البندقية

هنا تلتقي الحكاية القديمة بالراهن مباشرة. الجناح السوري في الدورة 61 من بينالي البندقية (9 أيار - 22 تشرين الثاني 2026) يقدم عملاً واحداً للفنانة سارة شمّة بعنوان «مدفن البرج التدمري»: تجهيز غامر بارتفاع خمسة عشر متراً في باحة جامعة إيواف، يستعيد بالرسم والعمارة والضوء والصوت مدافن الأبراج المدمرة، ويطالب صراحة باسترداد القطع المنهوبة خلال الحرب. برج جنائزي يُبنى في البندقية لأن أبراج تدمر الحقيقية لم تعد قائمة.

الاختيار أبعد من الحنين. شمّة رسامة بورتريه أساساً، والتقاليد التي تستدعيها ليست «تراثاً» غائماً بل مدرسة فنية محددة: أول من رسم السوريين وجوههم هم التدمريون. الخط الذي يبدأ من نحّات مجهول في القرن الثاني، يمر بوجوه لؤي كيالي الصامتة ورؤوس مروان المحفورة كتضاريس وأحلام صفوان داحول المغمضة، ينتهي اليوم في جناح وطني يواجه العالم ببورتريه جنائزي جديد. الفن السوري، من أول حجر إلى آخر بينالي، مشغول بالسؤال نفسه: كيف يبقى الوجه بعد صاحبه؟

الوجوه التدمرية أجابت بطريقتها. ما زالت تنظر إلينا من فترينات كوبنهاغن ولندن وباريس، أسماؤها مقروءة، أسفها محفور. أقدم وجوه سوريا لم تمت؛ غيّرت عنوانها فقط، والمطالبة بعودتها بدأت تُرفع على أعلى منصة فنية في العالم.

المزيد من قصص الأعمال في فهرس المقالات.

FAQ

ما هي البورتريهات الجنائزية التدمرية؟

منحوتات نصفية من الحجر الكلسي المحلي كانت تُثبَّت على فتحات القبور في مدافن تدمر بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، وتصور المتوفى بملامحه وثيابه وحليه مع كتابة بالآرامية التدمرية. وثّق مشروع «بورتريه تدمر» أكثر من 3700 قطعة منها.

أين توجد هذه البورتريهات اليوم؟

أكبر مجموعة خارج سوريا في متحف ني كارلسبرغ غليبتوتيك بكوبنهاغن، وتتوزع قطع أخرى على اللوفر والمتحف البريطاني ومتاحف أميركية، إضافة إلى متحفي تدمر ودمشق. مئات القطع نُهبت خلال الحرب وما زالت في السوق السوداء.

ما علاقتها ببينالي البندقية 2026؟

الجناح السوري في الدورة 61 (9 أيار - 22 تشرين الثاني 2026) يقدم عملاً واحداً للفنانة سارة شمّة بعنوان «مدفن البرج التدمري»: تجهيز غامر بارتفاع 15 متراً يستعيد مدافن الأبراج المدمرة ويطالب باسترداد الآثار المنهوبة.

بورتريهات تدمر الجنائزية: أقدم وجوه سوريا | الفن السوري