الفوتوغراف السوري المعاصر: أسماء وأعمال
6 September 2026
ساحة المرجة عند الفجر. لا باعة، لا سيارات، ضوء رمادي أول النهار فقط. من يعرف تاريخ الساحة يعرف ماذا كان يعلق فيها. هذه الصورة من سلسلة «ساحات الإعدام» (2008) لهرير سركيسيان اختصرت ما يستطيع الفوتوغراف السوري قوله حين يرفض أن يكون مجرد شاهد إخباري: الكاميرا هنا لا توثق حدثاً بل ذاكرة مكان.
التصوير الضوئي أقدم الفنون الحديثة في سوريا من حيث الممارسة - ستوديوهات البورتريه عمرها أكثر من قرن - وأحدثها اعترافاً. لعقود عومل الفوتوغراف كحرفة توثيق لا كفن يعلق في المتاحف، ولذلك جاء التوثيق النقدي لرواده متأخراً ومتقطعاً. هذا المقال يقف عند ثلاث تجارب يمكن التحقق من كل سطر فيها، وهي كافية لرسم خريطة أولية.
هرير سركيسيان: الغياب موضوعاً
ولد سركيسيان ونشأ في دمشق، وتعلم المهنة من أساسها في ستوديو والده للتصوير حيث عمل اثني عشر عاماً بعد المدرسة. ثم قلب الحرفة فناً: نال إجازة في التصوير من أكاديمية خيريت ريتفلد في أمستردام عام 2010، ويقيم ويعمل في لندن منذ 2011.
مشروعه يقوم على فكرة واحدة عنيدة: تصوير ما لا يظهر. «ساحات الإعدام» (2008) صورت الساحات خالية. «Underground» (2009) و«In Between» (2006) و«My Father I» (2010) تدور كلها حول حضور مضمر خلف السطح الهادئ. وفي «Final Flight» (2018) تتبع طائر أبو منجل الناسك المهدد بالانقراض الذي اختفى من البادية السورية مع الحرب، وصولاً إلى «Stolen Past» (2025). أعماله عرضت في مؤسسات دولية بينها كادِست التي عرضت عمله «Homesick» في سان فرانسيسكو عام 2017.
جابر العظمة: من دمشق إلى المتحف البريطاني
ولد جابر العظمة في دمشق عام 1973، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق قسم الاتصالات البصرية عام 1996، ويعمل مصوراً محترفاً منذ 1998، وعمل محاضراً للتصوير في الجامعة الدولية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا قرب دمشق منذ 2006.
سلاسله تؤرخ لنفسها بدقة: «Metaphors» (2009) قبل الزلزال، ثم «Wounds» (2012) و«The Resurrection» (2014) في قلبه، ف«Border-Lines» (2016) و«Taswir» (2019) في المنفى والمراجعة. أشهر سلاسله «The Resurrection» - والعنوان يلعب على المعنى الحرفي لكلمة «البعث» - صوّر فيها شخصيات سورية تحمل صحيفة البعث مقلوبة وقد كتبت فوق صفحاتها شهاداتها الحرة، فانقلب رمز السلطة الورقي إلى مساحة كلام. أعماله اليوم في مجموعات المتحف البريطاني ومتاحف برلين الحكومية ومجموعة دويتشه بنك الفنية ومؤسسة بارجيل ومؤسسة أتاسي، واختارته لوموند ديبلوماتيك «فنان الشهر» عام 2015.
عمار عبد ربه: العين الصحفية
التجربة الثالثة من الصحافة لا من الغاليري. ولد عمار عبد ربه في دمشق عام 1966 وانتقل إلى فرنسا في الثانية عشرة، وراكم مسيرة تجاوزت ربع قرن مصوراً صحفياً غطى العراق وليبيا ولبنان وسوريا، ونشرت صوره في تايم ولوموند ودير شبيغل، ووصلت صورته لبنازير بوتو إلى غلاف تايم بعد اغتيالها. صوّر حلب في سنوات الحرب وأصدر عنها كتاباً بالفرنسية عام 2016، وشارك عمله في معرض بانكسي «ديزمالاند» عام 2015، ومنحته فرنسا وسام فارس في الفنون والآداب عام 2017.
حضوره في مقال عن الفن مقصود: الحد بين الفوتوغراف الصحفي والفني صار في الحالة السورية بلا معنى تقريباً، فالصور التي التقطت للخبر تدخل المعارض والمجموعات بعد سنوات بوصفها الذاكرة البصرية الوحيدة لأمكنة لم تعد موجودة.
الستوديو: المدرسة الأم المنسية
قبل هذه الأسماء الثلاثة وخلفها تقف مؤسسة سورية عريقة لا تذكر في تواريخ الفن: ستوديو التصوير. في كل مدينة سورية عمل مصورو بورتريه محترفون منذ أوائل القرن العشرين، يلتقطون صور الأعراس والهويات والعائلات بإضاءة مدروسة وخلفيات مرسومة. اثنتا عشرة سنة قضاها سركيسيان في ستوديو والده قبل أمستردام ليست تفصيلاً في سيرته بل جوهرها؛ حرفة الضوء تعلمها هناك لا في الأكاديمية. أرشيفات هذه الستوديوهات - ملايين النيغاتيف المكدسة في أدراج المحلات المغلقة - هي الكنز الفوتوغرافي السوري الحقيقي الذي ينتظر مشروع إنقاذ قبل أن تتلفه الرطوبة أو تشتته الهجرة.
ما لم نذكره، ولماذا
في حلب ودمشق وبيروت وبرلين أسماء سورية أخرى تشتغل بالفوتوغراف، وبعضها ذو حضور حقيقي في المشهد. تعمدنا الاقتصار على التجارب التي أمكن التحقق من سيرها وأعمالها من مصادر مستقلة منشورة، وترك الباقي إلى أن يكتمل توثيقه - وهذه دعوة مفتوحة أكثر منها اعتذاراً، فالمشهد أوسع من ثلاثة أسماء بكثير. جيل الهواتف الذكية وحده أنتج خلال سنوات الحرب كماً من الصور يفوق كل ما التقط في سوريا قبله، وبين أصحابه من تحول محترفاً تنشر صوره الوكالات الدولية.
الفوتوغراف السوري اليوم في اللحظة التي كانت فيها اللوحة السورية قبل خمسين عاماً: ممارسة ناضجة تنتظر مؤرخيها ومقتنيها. الفارق أن نافذة التوثيق هذه المرة أقصر؛ النيغاتيف يتلف أسرع من الكانفاس، والأرشيف الرقمي يضيع بضياع قرص صلب واحد. سياق الحرب الذي صنع الكثير من هذه الأعمال نقرأه في الحرب والفن السوري، وقواعد شراء الطبعات المحدودة في الطبعات مقابل الأصول، والبقية في فهرس المقالات.
FAQ
من أبرز المصورين السوريين المعاصرين؟
من الأسماء الموثقة دولياً: هرير سركيسيان (دمشقي مقيم في لندن، صاحب سلسلة ساحات الإعدام)، وجابر العظمة (مواليد دمشق 1973، أعماله في المتحف البريطاني ومجموعة بارجيل)، وعمار عبد ربه (مواليد دمشق 1966، مصور صحفي فرنسي-سوري وصلت صوره إلى غلاف تايم).
ما سلسلة ساحات الإعدام؟
سلسلة أنجزها هرير سركيسيان عام 2008: صور فوتوغرافية لساحات مدن سورية عند الفجر، خالية تماماً، وهي الساحات التي جرت فيها إعدامات علنية. الغياب هنا هو الموضوع، والسلسلة من أكثر الأعمال الفوتوغرافية السورية حضوراً في المعارض الدولية.
أين تقتنى أعمال الفوتوغراف السوري؟
أعمال جابر العظمة مثلاً في مجموعات المتحف البريطاني ومتاحف برلين الحكومية ومجموعة دويتشه بنك ومؤسستي بارجيل وأتاسي. الفوتوغراف يباع بطبعات محدودة موقعة، وقواعد اقتنائه هي قواعد الطبعات الفنية نفسها: رقم الطبعة وحالة النسخة والتوثيق.