السوريون في مَتحف وبارجيل - حين صار الخليج خزانة الحداثة السورية

٦ أيلول ٢٠٢٦

لوحتان تفصل بينهما خمس سنوات وثلاثة آلاف كيلومتر عن مسقطهما. «العشاء الأخير» التي أنجزها فاتح المدرّس عام 1965 معلقة اليوم في الدوحة، و«ثلاثة صبية فلسطينيون» التي رسمها مروان قصاب باشي عام 1970 محفوظة في الشارقة. لم تشترِ دمشق أياً منهما. الخليج هو من فعل.

السوريون في مجموعتي مَتحف وبارجيل

مَتحف: مشروع متحفي بذاكرة عربية

حين افتُتح مَتحف - المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة - حمل مهمة لم تتصدَّ لها عاصمة عربية قبله بهذا الحجم: بناء سردية متحفية للحداثة العربية كلها، بمجموعة تتجاوز ستة آلاف عمل. داخل هذه السردية يحتل السوريون موقعاً مركزياً. المدرّس معروض بوصفه أحد آباء الحداثة السورية، وكيالي حاضر في العرض الدائم بواحدة من لوحاته التي تحمل حزنه الهادئ المعروف. الرجلان مثّلا سوريا معاً في بينالي البندقية عام 1960، وها هما يتجاوران مجدداً في متحف لم يكن موجوداً حين رحلا.

قيمة مَتحف ليست في العرض وحده. موسوعته الإلكترونية لسِيَر الفنانين العرب صارت مرجعاً يستشهد به الباحثون، وصفحة المدرّس فيها من أدق ما كُتب عنه مؤسسياً.

بارجيل: مجموعة شخص واحد صارت مؤسسة

في الشارقة، بدأت القصة من شغف فردي: سلطان سعود القاسمي، الكاتب الإماراتي، أسس مؤسسة بارجيل عام 2010 لإدارة مجموعته التي تجاوزت ألف عمل حديث ومعاصر. الكتلة السورية فيها نوعية أكثر منها كمية: مروان بلوحة «ثلاثة صبية فلسطينيون» (1970) من مرحلته المبكرة في برلين، والمدرّس، وسعيد تحسين أحد روّاد التصوير الدمشقي الأوائل، وأسماء فيومي من أبرز المجرّدات السوريات - التي تجد سياقها في مقالنا عن الفنانات السوريات.

بارجيل لا تملك مبنى متحفياً دائماً بالمعنى الكامل؛ قوتها في الإعارة والشراكات، من غاليري وايتشابل في لندن إلى متاحف أوروبية عدة، ما جعل أعمالها - والسورية منها - تسافر أكثر مما تسافر مقتنيات متاحف قائمة.

لماذا الخليج؟

الجواب المختصر: لأن أحداً غيره لم يكن يشتري بمنهجية. حين تفرّق الإنتاج السوري بين ورثة وصالات ومقتنين أفراد، كانت الدوحة والشارقة تبنيان مجموعات بمعايير متحفية: توثيق، ترميم، نشر. النتيجة أن دارس الحداثة السورية اليوم يبدأ من قواعد بياناتهما قبل أي أرشيف دمشقي - وأن أسعار المدرّس ومروان وكيالي في المزادات تستند إلى هذا الحضور المؤسسي، كما نشرح في أين يُباع الفن السوري.

ماذا يعني هذا للمقتني والباحث؟

ثلاث خلاصات عملية. الأولى: المرجعية التوثيقية للفن السوري الحديث صارت رقمية ومجانية، فتصفح مجموعة بارجيل وموسوعة مَتحف قبل أي قرار شراء. الثانية: حضور فنان في المجموعتين إشارة قوة سوقية لا تخطئ، وهو ما تفصّله مقالتنا عن الاستثمار في الفن السوري. الثالثة: هذا النموذج الخليجي ليس نهاية القصة؛ في بيروت تقف مجموعة دلول نظيراً مستقلاً، وفي الشتات تعمل مؤسسة أتاسي على الأرشيف السوري تحديداً.

جيلٌ درس في كلية الفنون الجميلة بدمشق أو عاد إليها مدرّساً، انتهت أعماله محفوظة في عواصم لم يعش فيها. تلك ليست خسارة خالصة: إنها الطريقة التي بقيت بها هذه الأعمال مرئية للعالم. بقية السردية في تاريخ الفن السوري.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين مَتحف وبارجيل؟

مَتحف متحف حكومي في الدوحة تديره متاحف قطر، بمجموعة تتجاوز ستة آلاف عمل ومبنى عرض دائم. بارجيل مؤسسة خاصة أسسها سلطان سعود القاسمي في الشارقة عام 2010 حول مجموعته الشخصية، تزيد على ألف عمل، وتشتغل بالإعارة والمعارض المشتركة أكثر من العرض الثابت.

من أبرز السوريين في المجموعتين؟

في مَتحف: فاتح المدرّس - بينها «العشاء الأخير» (1965) - ولوحة للؤي كيالي ضمن العرض الدائم. في بارجيل: مروان قصاب باشي بلوحة «ثلاثة صبية فلسطينيون» (1970)، والمدرّس، وسعيد تحسين، وأسماء فيومي.

هل يمكن تصفح المجموعتين من دون سفر؟

نعم. بارجيل تنشر مجموعتها كاملة على موقعها مع صور عالية الجودة، ومَتحف يتيح موسوعة سِيَر الفنانين العرب على موقعه. المجموعتان معاً أفضل مكتبة رقمية مجانية عن الحداثة السورية.