هل الفن السوري استثمار جيد؟ الأرقام والحجج بلا وعود

٦ أيلول ٢٠٢٦

في تشرين الأول 2010 دفع مقتنٍ في كريستيز دبي 374,500 دولار مقابل لوحة بلا عنوان رسمها فاتح المدرّس عام 1967. بدا الرقم يومها سقفاً نهائياً للفن السوري. بعد خمسة عشر عاماً، في شباط 2025، بيعت لوحة لؤي كيالي «ثم ماذا؟» بـ900 ألف دولار في أول مزاد لسوذبيز على الأراضي السعودية. من ينظر إلى الرقمين فقط يستنتج أن الفن السوري صفقة القرن. الحقيقة أعقد، وتستحق أن تُقال بأمانة.

ما تقوله الأرقام الموثقة

خط الصعود حقيقي عند القمة. رقم كيالي القياسي وحده قفز بأكثر من 150 بالمئة خلال ثمانية أشهر: 341,200 دولار لـ«صبي الصياد» في بونامز حزيران 2024، ثم 900 ألف في الدرعية. مروان قصاب باشي سجل رقمه القياسي 491,200 دولار في كريستيز لندن تشرين الأول 2024. وفي 25 تشرين الثاني 2025 حقق مزاد بونامز للفن الشرق أوسطي 3.2 مليون جنيه إسترليني وكان السوريون بين أقوى نتائجه: رقم قياسي عالمي لنعيم إسماعيل عند 140,100 جنيه لعمل قُدّر بأقل من نصف ذلك، ورقم قياسي لأعمال مروان الورقية. القائمة الكاملة في أغلى اللوحات السورية المباعة.

محطات سوق الفن السوري 2010-2025

هناك أيضاً ما يسميه أهل السوق «الرافعة المؤسسية». عودة سوريا إلى بينالي البندقية 2026 بجناح وطني تقدمه سارة شما منفردة بعمل «مدفن برج تدمر» (9 أيار - 22 تشرين الثاني 2026) تعيد الفن السوري إلى واجهة المشهد الدولي، والحضور المؤسسي من هذا النوع يسبق عادة اهتمام المقتنين الكبار.

ما لا تقوله الأرقام

الصعود الموثق يخص شريحة ضيقة جداً: أعمال زيتية كبيرة لجيل الرواد، بتواريخ ملكية نظيفة، تمر عبر بيوت مزادات دولية. هذه الشريحة نادرة بطبيعتها لأن الرواد ماتوا وإنتاجهم محدود. أما اللوحة المتوسطة لفنان سوري معاصر فتباع بأسعار لم تتحرك كثيراً، وقد لا تجد مشترياً أصلاً حين تقرر البيع.

ثم مسألة السيولة. السهم يباع بكبسة زر، واللوحة تحتاج بيت مزاد يقبلها، وموسم بيع مناسب، وعمولة بائع، وعمولة مشترٍ يدفعها الطرف الآخر فتخفض ما يصلك فعلياً. بين قرار البيع واستلام المال قد تمر سنة. ومن اشترى في ذروة حماس صحفي بعد رقم قياسي قد ينتظر سنوات ليسترد ما دفع.

وأخيراً التزوير، وهو الخطر الذي لا مبالغة في التحذير منه. سوق صاعدة، فنانون راحلون، أرشيفات مبعثرة بفعل الحرب: بيئة مثالية لمن يبيع أعمالاً منسوبة. سلاحك الوحيد هو التوثيق، ومقالة البروفنانس تشرح كيف تقرأه سطراً سطراً.

تكاليف لا يذكرها أحد

اللوحة أصل يحتاج صيانة، وهذه نقطة تغيب عن كل حديث متحمس عن «الفن كاستثمار». التأمين على عمل بمئة ألف دولار يكلف سنوياً ما بين نصف بالمئة وواحد بالمئة من قيمته. التخزين السليم يحتاج رطوبة وحرارة مضبوطتين، والنقل بين بلدين يمر عبر شركات شحن فني متخصصة تحسب بالمئات لا بالعشرات. أضف ترميماً محتملاً كل بضع سنوات لقماش عمره ستون عاماً، ورسوم استيراد وضرائب تختلف من بلد إلى بلد.

اجمع هذه البنود على مدى عشر سنوات من الاحتفاظ بالعمل وستجد أن اللوحة يجب أن يرتفع سعرها بنسبة معتبرة قبل أن تتعادل أصلاً، هذا قبل احتساب عمولة البيع حين تقرر الخروج. المقتنون المخضرمون يعرفون هذه الحسابات ويقبلونها لأن العمل يعنيهم بذاته. المضارب الذي يكتشفها بعد الشراء يكتشف معها أن «الاستثمار» كان أغلى مما ظن.

هذا لا يعني أن السوق خدعة، بل أن أرباحها الحقيقية ذهبت تاريخياً لمن اشترى مبكراً وصبر طويلاً وعرف ما يملك. من اقتنى كيالي في التسعينيات بأسعار متواضعة يجني اليوم أضعافاً مضاعفة. السؤال الصادق ليس «هل الفن السوري يرتفع؟» بل «هل أملك المعرفة والصبر اللذين تكافئهما هذه السوق؟».

فكيف تتصرف إذاً؟

القاعدة الأولى: اشترِ ما تحب عيشه على جدارك. إن صعد سعره فذلك مكسب إضافي، وإن لم يصعد فقد اشتريت شيئاً يعنيك. من يدخل هذه السوق بمنطق المضاربة الصرفة يدخل لعبة يحترفها غيره منذ عقود.

القاعدة الثانية: التوثيق قبل التوقيع. فاتورة، تاريخ ملكية، رأي خبير مستقل عند الشك. عمل صغير موثق أفضل من عمل كبير مشكوك فيه مهما بدا السعر مغرياً.

القاعدة الثالثة: اعرف القنوات. بيوت المزادات الدولية، الصالات المتخصصة في دبي وبيروت ولندن، المنصات الرقمية: لكل منها منطقها وتكاليفها، ومقالة أين يُباع الفن السوري اليوم تفصّلها. وقبل أول مزايدة اقرأ كيف تعمل مزادات الفن كي لا تفاجئك عمولة المشتري.

القاعدة الرابعة: ادرس الفنان لا السعر. سيرة لؤي كيالي وفاتح المدرّس تفسر لماذا يدفع العالم لهذين الاسمين تحديداً. المعرفة هنا ليست ترفاً ثقافياً بل هي فرق السعر بين البائع والمشتري.

وهناك قاعدة خامسة صغيرة يهملها كثيرون: وثّق ما تشتريه من يومه الأول. احتفظ بالفاتورة والمراسلات وصور العمل بدقة عالية، وسجّل أين عُرض وماذا كُتب عنه. أنت بذلك تبني بروفنانس الغد بيديك، وترفع قيمة عملك عند البيع بلا أي كلفة تقريباً.

الخلاصة بلا تجميل: الفن السوري عند قمته أصل صاعد وموثق الصعود، وعند قاعدته سوق ضيقة السيولة عالية المخاطر. من يشتري بمعرفة وصبر وحب حقيقي للأعمال يملك أفضل حظوظ الجمع بين المتعة والقيمة. من يشتري عناوين الصحف يدفع ثمنها. المزيد في فهرس المقالات.

أسئلة شائعة

هل ترتفع أسعار الفن السوري فعلاً؟

قمة السوق ارتفعت بشكل موثق: رقم لؤي كيالي القياسي قفز من 341 ألف دولار في 2024 إلى 900 ألف في 2025، ومزاد بونامز في تشرين الثاني 2025 سجل أرقاماً قياسية لعدة فنانين سوريين. لكن هذا يخص أعمال الرواد الموثقة، ولا ينسحب تلقائياً على بقية السوق.

كم أحتاج لأبدأ الاقتناء؟

أعمال ورقية وقطع لفنانين سوريين معاصرين تباع في المزادات والصالات ببضعة آلاف من الدولارات، وأحياناً أقل. البداية الواقعية ليست شراء لوحة رواد بمئات الآلاف بل عملاً موثقاً ضمن ميزانيتك من مصدر يمكن مساءلته.

ما أكبر المخاطر في هذه السوق؟

التزوير أولاً: السوق الصاعدة قليلة التوثيق بيئة مثالية للأعمال المنسوبة زوراً. ثم السيولة: بيع لوحة قد يستغرق شهوراً أو سنوات وبعمولات كبيرة. ثم تقلب الذوق: صعود جيل لا يضمن استمراره.