النحت السوري الحديث: أسماء وأعمال
6 September 2026
في بيت عربي قديم بحي باب شرقي الدمشقي، بين شخوص برونزية ممشوقة تحمل آثار أصابع صانعها، كان مصطفى علي يستقبل زوار غاليريه ويقول إن النحت في هذه البلاد أقدم من كل شيء آخر فيها. الرجل الذي وُلد في اللاذقية عام 1956 وصار أكثر النحاتين العرب اقتناءً لم يأتِ من فراغ. خلفه قرن كامل من الأزاميل السورية، وثلاثة أجيال متعاقبة رسمت خريطة هذا الفن من دمشق إلى كارارا وموسكو وغرناطة وباريس.
الجيل المؤسس: من روما إلى وزارة التربية
البداية المؤسسية تحمل اسم محمود جلال (1911-1975). وُلد في طرابلس الغرب لعائلة لجأت إلى سورية عام 1914، ودرس الرسم والنحت في روما عام 1935، ثم عاد ليشغل منصب أول مفتش للفنون الجميلة في وزارة التربية. إسهامه الأبعد أثراً لم يكن منحوتة بعينها، بل مؤسسة: شارك في تأسيس كلية الفنون الجميلة بدمشق، البوابة التي مرّ منها كل من يرد ذكره في هذا المقال تقريباً. جمع في أسلوبه بين الواقعية والكلاسيكية الحديثة، ومهّد لفكرة أن النحت مهنة تُدرّس وتُحترف، لا هواية هامشية.
إلى جانبه يقف سعيد مخلوف (1925-2000)، ابن بستان الباشا في ريف اللاذقية، الذي تفرغ للنحت في الخامسة والثلاثين وعرض منحوتاته الأولى مطلع الستينيات بالحجر والخشب. حصل على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى، وتتوزع أعماله اليوم بين المتحف الوطني بدمشق ومطار دمشق الدولي ومجموعات خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. كتب عنه النقاد أنه أعاد صلة النحت السوري المعاصر بتراثه القديم، وهي صلة كانت مقطوعة منذ قرون لأسباب دينية واجتماعية معروفة.
جيل الأكاديميات: دمشق أولاً ثم أوروبا
منتصف السبعينيات وبداية الثمانينيات أخرجت من كلية الفنون الجميلة دفعات غيّرت المشهد. القاسم المشترك بينها مسار واحد: تخرج في دمشق، ثم أكاديمية أوروبية، ثم مسيرة موزعة بين الداخل والخارج.
مصطفى علي تخرج في قسم النحت عام 1979 ثم نال شهادة أكاديمية كارارا الإيطالية عام 1996. اشتغل على الخشب والبرونز معاً، واستحضر في شخوصه الحضارات السورية القديمة من تدمر إلى أوغاريت. أعماله مقتناة في القصر الملكي بمدريد ومعهد العالم العربي بباريس ومتحف الشارقة، لكن مشروعه الأهم ربما كان مكانياً: غاليري ومؤسسة باسمه في قلب دمشق القديمة حوّلا حياً كاملاً إلى نقطة جذب فني.
لطفي الرمحين، مواليد 1954، سلك الدرب نفسه بترتيب أبكر: محترف في دمشق للحجر والخشب، ثم منحة إلى كارارا عام 1981. استقر في فرنسا منذ عقود، وينحت الرخام والفولاذ والأردواز في تأملات طويلة حول الذكورة والأنوثة وما يجمعهما. له أعمال دائمة العرض في المتحف الوطني بدمشق وفي فرنسا ودبي والولايات المتحدة.
أكثم عبد الحميد، ابن جبلة مواليد 1955، تخرج في الكلية عام 1981 وأدار المعهد المتوسط للفنون التطبيقية بدمشق منذ 1987 قبل أن ينتقل إلى مدريد مديراً للمركز الثقافي السوري. مثّل سورية في مسابقة اليونسكو الدولية للنحت في باريس عام 1993، ويشتغل على الخشب والحجر بمفردات تنهل من الرموز الأسطورية المحلية.
أما عاصم الباشا فقصته أغرب قليلاً. وُلد في بوينس آيرس عام 1948 لأب سوري وأم أرجنتينية، وعاد طفلاً إلى يبرود، ثم درس النحت في موسكو بين 1970 و1977. يقيم في غرناطة منذ 1987، وهناك أنجز نصباً لأبي العلاء المعري بعيداً عن أرضه الأولى، بعدما طاول التخريب تمثال المعري الشهير في معرة النعمان. الباشا كاتب أيضاً، فاز كتابه «يوميات الشامي الأخير في غرناطة» بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.
جيل ما بعد 2011: النحت في المنفى
الحرب قسمت المشهد إلى داخل وخارج، وأنتجت جيلاً كاملاً يشتغل على الذاكرة من بعيد. خالد ضوا، مواليد مصياف 1985 وخريج قسم النحت بدمشق عام 2007، واحد من أبرز هذه الأسماء. شارك في الاحتجاجات، وأُصيب في قصف، واعتُقل، ثم خرج إلى لبنان عام 2013 ففرنسا عام 2014 حيث حصل على اللجوء السياسي واستقر في ضاحية فانف قرب باريس. يشتغل بالطين والبرونز على موضوعات السجن والحرب والمنفى، وأشهر أعماله شوارع مهدمة منحوتة بتفاصيلها: شرفات محطمة، جدران مثقوبة، كراسٍ فارغة. من محترفه الفرنسي يحفظ ما دمرته الحرب على شكل طين محروق.
ما الذي يبقى؟
خيط واحد يمر عبر الأجيال الثلاثة: العلاقة مع الإرث القديم. جلال ومخلوف أعادا وصل ما انقطع، وجيل الأكاديميات حاور تدمر وأوغاريت من محترفات كارارا وموسكو، وجيل المنفى ينحت اليوم ذاكرة المدن نفسها التي سبق أن نحتت وجهها الحضارات. من أراد التوسع في السياق الأشمل فليقرأ تاريخ الفن التشكيلي السوري، ولمن يهمه المشهد الأوسع من النحت وحده هناك دليلنا إلى أشهر الفنانين السوريين، وبقية ملفات أرشيف المقالات.
الأسماء هنا ليست حصراً بل مدخلاً. النحت السوري الحديث أوسع من مقال واحد، لكن من عرف هذه الأعلام السبعة صار قادراً على قراءة أي صالة عرض سورية بعين مختلفة.
FAQ
من هو رائد النحت السوري الحديث؟
محمود جلال (1911-1975) في طليعة المؤسسين: درس النحت في روما عام 1935، وشغل منصب أول مفتش للفنون الجميلة في وزارة التربية، وأسهم في تأسيس كلية الفنون الجميلة بدمشق التي تخرجت فيها الأجيال اللاحقة كلها تقريباً.
أين يمكن مشاهدة أعمال النحاتين السوريين اليوم؟
في المتحف الوطني بدمشق أولاً، حيث تُعرض أعمال لسعيد مخلوف ولطفي الرمحين وغيرهما. خارج سورية تقتني معهد العالم العربي في باريس ومتحف الشارقة أعمالاً لمصطفى علي، بينما تُعرض أعمال جيل المنفى مثل خالد ضوا في صالات فرنسية وأوروبية.
لماذا يعمل معظم النحاتين السوريين الكبار خارج سورية؟
المسار بدأ قبل الحرب: منح دراسية إلى كارارا الإيطالية وموسكو منذ السبعينيات والثمانينيات فتحت أبواب الإقامة الأوروبية. بعد 2011 تحول الخيار إلى اضطرار، فاستقر لطفي الرمحين وخالد ضوا في فرنسا وعاصم الباشا في غرناطة، فيما بقي مصطفى علي يعمل من دمشق.