توفيق طارق - أول محترف تشكيلي في دمشق
6 September 2026
في دمشق أواخر القرن التاسع عشر، لم يكن أحد يشتري لوحة ليعلّقها على جدار بيته. الجدران للزخرفة والخط والعجمي، أما «اللوحة» بمعناها الأوروبي - إطار، قماش، توقيع فنان - فكانت فكرة بلا سوق ولا جمهور. الرجل الذي غيّر ذلك اسمه توفيق طارق.
من المدرسة الحربية إلى محترف الفنون
ولد طارق في دمشق عام 1875 لعائلة ضباط عريقة في الدولة العثمانية، وأُرسل كما يليق بابن هذه العائلات إلى المدرسة الحربية في إسطنبول. هناك حدث أمران غيّرا حياته: تعرّف على التصوير الزيتي، وانخرط في حلقة سياسية ذات ميول قومية عربية تتعارض مع الخط العثماني. سُجن عام 1892، وأُفرج عنه بشرط مغادرة إسطنبول.
المنفى قاده إلى باريس. درس في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة الرسم والمساحة والعمران، وتخرج عام 1901. هذا المزيج - فنان ومهندس ومسّاح في شخص واحد - سيحدد شكل حياته المهنية كلها بعد العودة إلى دمشق.
المرسم المفتوح: مهنة لم تكن موجودة
في دمشق عمل طارق في ترميم المعالم التاريخية والمآذن، ورسم المناظر الطبيعية وبورتريهات الطبقة الدمشقية العليا، ودرّس الرسم في بيته. الأهم من ذلك كله أنه أسس أول مرسم مستقل مفتوح للجمهور في المدينة. لم يكن المرسم مجرد مكان عمل، بل عرضاً حياً لفكرة جديدة كلياً: أن الرسم مهنة يعيش منها صاحبها، وأن اللوحة سلعة ثقافية تُقتنى.
مؤسسة أتاسي تنسب إليه تحديداً إدخال مفهوم «لوحة الحامل» - peinture de chevalet - إلى أوساط المثقفين ومحبي الفن في دمشق. من هنا جاء لقبه: أول محترف تشكيلي في المدينة. قبله كان هناك من يرسم، لكن لم يكن هناك من يحترف الرسم بهذا المعنى الكامل.
عام 1930 شارك في تأسيس نادي الفنون الجميلة في حي ساروجة، وهو ناد جمع الموسيقى والتمثيل والتصوير الفوتوغرافي إلى جانب قسم للرسم تولاه طارق بنفسه. النادي كان النواة الأولى لحياة فنية منظمة في دمشق، والخط الذي يصل بينه وبين تأسيس كلية الفنون الجميلة لاحقاً يمر عبر تلاميذ طارق وجمهوره - قصة نرويها كاملة في تاريخ الفن السوري الحديث.
الرد على المستشرقين بالفرشاة
موضوعات طارق لم تكن محايدة. كان مقتنعاً بأن المستشرقين الأوروبيين زوّروا صورة التاريخ العربي والإسلامي في لوحاتهم، فقرر الرد بالوسيلة نفسها: رسم سلسلة معارك عربية ومجالس خلفاء وبورتريهات تحاكي تقنيات الاستشراق الشهيرة وتقلب سرديتها. أخذ اللغة البصرية الأوروبية التي أتقنها في باريس ووظّفها لكتابة رواية مضادة.
هذه الازدواجية - تقنية أوروبية بمضمون محلي معاكس - ستصبح لاحقاً سؤال الفن السوري كله في القرن العشرين، من إلياس زيات الذي صهر الأيقونة البيزنطية بالحداثة، إلى أسعد عرابي الذي حمل دمشق معه إلى باريس. طارق طرح السؤال قبلهم جميعاً.
أين تجد أعماله اليوم؟
توفي طارق عام 1940، قبل أن يرى قيام كلية فنون أو وزارة ثقافة أو سوق فن بالمعنى الحديث. أعماله موجودة اليوم في مجموعات خاصة ومؤسسية، بينها مجموعة دبي (Dubai Collection) ومجموعة جلنبو، وقد ظهرت أعمال له في مزادات دولية بينها مزاد سوذبيز في الدوحة عام 2014. حين تصادف لوحة له - مشهد معركة، بورتريه بالطربوش، منظر لبردى - فأنت تنظر إلى نقطة الصفر التي بدأ منها الاحتراف التشكيلي في سوريا.
موقعه في السردية الكبرى، إلى جانب بقية الرواد، في دليلنا أشهر الفنانين السوريين، وبقية البورتريهات في فهرس المقالات.
FAQ
لماذا يُعد توفيق طارق أول محترف تشكيلي في دمشق؟
لأنه أول من أسس مرسماً مستقلاً مفتوحاً للجمهور في المدينة، وعاش من الرسم والتدريس والعمارة، وأدخل إلى دمشق مفهوم لوحة الحامل (peinture de chevalet) التي تُشترى وتُعلّق - قبل أي كلية فنون أو معرض رسمي.
أين درس توفيق طارق؟
بدأ في المدرسة الحربية في إسطنبول حيث تعرف على التصوير الزيتي، ثم درس في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس الرسم والمساحة والعمران، وتخرج عام 1901.
ماذا كان يرسم توفيق طارق؟
مشاهد تاريخية عربية وإسلامية - معارك ومجالس خلفاء - رداً على الصورة التي رسمها المستشرقون، إضافة إلى بورتريهات لوجهاء دمشق ومناظر طبيعية. عمل أيضاً في ترميم المعالم التاريخية والمآذن.