عبد الله مراد - التجريد الغنائي من حمص إلى دمشق

٦ أيلول ٢٠٢٦

قف أمام لوحة لعبد الله مراد وحاول أن تسمّي ما تراه. لن تستطيع. بقع حمراء تسبح فوق أزرق عميق، خطوط تلتف كأنها بقايا زخرفة شامية، فراغ أبيض يتنفس في الزاوية. ثم يحدث شيء غريب: تكفّ عن البحث عن «الموضوع» وتبدأ بالإصغاء. لوحته لا تُقرأ، تُسمع.

من حمص إلى كلية الفنون

وُلد عبد الله مراد في حمص عام 1944، والتحق بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق ليتخرج منها عام 1970، ضمن جيل خرج من عباءة حداثة الستينيات السورية وذهب بها إلى أقاصيها. كثيرون من أبناء ذلك الجيل بقوا على مسافة أمان من التجريد الكامل، حافظوا على وجه أو بيت أو تلة تظهر في اللوحة. مراد قطع الحبل مبكراً وسار في الاتجاه الآخر: لوحة تقوم على اللون والحركة وحدهما.

عام 1984 نال الجائزة الأولى في معرض «تحية إلى ميرو وبيكاسو» الذي أقامه المركز الثقافي الإسباني بدمشق، وكانت إشارة مبكرة إلى أن هذا التجريد المشرقي يحاور الحداثة الأوروبية نداً لند، لا تلميذاً.

ما هو «التجريد الغنائي» عنده؟

التسمية النقدية الشائعة لأسلوبه: تجريد تعبيري بنَفَس غنائي. عملياً، ثلاثة عناصر تبني اللوحة.

الأول اللون: حار، فوفي المزاج، يوضع بحرية توحي بالارتجال لكنها حرية مدرّبة، كارتجال عازف يعرف مقامه. الثاني الإيقاع: الأشكال تتكرر وتتحور كما تتكرر الوحدة الزخرفية في الأرابيسك، من دون أن ينقل مراد الزخرفة نفسها؛ يأخذ منطقها الموسيقي ويترك جسدها. الثالث اللاتناظر: تكويناته تميل، تنزاح، تترك ثقلها في طرف وتفتح الطرف الآخر للفراغ، فلا تستقر العين أبداً.

النتيجة لوحة تبدو بسيطة من بعيد وتزداد تعقيداً كلما اقتربت، وهذه علامة التجريد الجيد في كل مكان.

محطات عبد الله مراد

البقاء في دمشق

لم يهاجر مراد. ظل يعيش ويعمل في دمشق عبر كل التحولات، عضواً في نقابة الفنون الجميلة واتحاد الفنانين العرب، ومرسمه محطة معروفة لجامعي الفن السوري. هذا الثبات المكاني له أثر عملي في تجربته: تراكم هائل ومتجانس من الأعمال، يمكن تتبع تحولاته البطيئة عقداً بعد عقد، من دون قطيعات المنفى التي وسمت مسارات كثير من مجايليه.

أين أعماله، وكيف يقرأها المقتني؟

تحتفظ مؤسسة رامزي ونهى دلول للفنون في بيروت بأعمال له ضمن أهم مجموعة خاصة للفن العربي الحديث، وكذلك مؤسسة أتاسي التي تضعه في صلب سرديتها للفن السوري، ومجموعة دبي الحكومية. في السوق الثانوية يظهر اسمه في المزادات الإقليمية وعلى منصات مثل Artscoops وArtsper وArtsy.

للمقتني الجديد ملاحظتان. الأولى: التجريد السوري عموماً ما يزال مسعّراً بأقل من نظيره المصري واللبناني في المزادات، ومراد من الأسماء التي تُذكر دائماً حين يتحدث المتخصصون عن «فجوة» السوق السورية - راجع دليل الاستثمار في الفن السوري لتفصيل هذه الحجة. الثانية: في أعمال فنان غزير الإنتاج مثله، التفاوت وارد بين لوحة وأخرى؛ الأعمال الكبيرة من الثمانينيات والتسعينيات، وما دخل منها مجموعات موثقة، تحمل عادة القيمة الأمتن.

لماذا يهم الآن؟

لأن سؤال التجريد العربي عاد إلى الواجهة. المتاحف الخليجية والمؤسسات الغربية تعيد اكتشاف تجريديي المشرق بعد عقود من التركيز على التشخيص والالتزام السياسي، وعبد الله مراد ملف جاهز لهذه القراءة: خمسون عاماً من لوحة واحدة طويلة، تُغنّى ولا تُشرح. من أراد وضعه في خريطة أوسع فليبدأ من أشهر الفنانين السوريين ثم ليعد إلى لوحاته، حيث لا خريطة ولا شرح، لون فقط.

أسئلة شائعة

من هو عبد الله مراد؟

رسام سوري وُلد في حمص عام 1944، وتخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1970. يُعد من رواد التجريد التعبيري في العالم العربي، ويعيش ويعمل في دمشق.

ما الذي يميز لوحة عبد الله مراد؟

تكوينات لا متناظرة حرة، لون فوفي الحرارة، وإيقاع مستمد من الأرابيسك والزخرفة الشرقية من دون نقلها حرفياً. اللوحة عنده حركة وارتجال أقرب إلى الموسيقى منها إلى المشهد.

أين تُقتنى أعمال عبد الله مراد؟

تقتني أعماله مؤسسة رامزي ونهى دلول للفنون في بيروت ومؤسسة أتاسي ومجموعة دبي، وتُعرض عبر صالات ومنصات مثل Artscoops وArtsy، إضافة إلى المزادات الإقليمية.

عبد الله مراد - التجريد الغنائي من حمص إلى دمشق | الفن السوري