عمار البيك: الكاميرا فرشاةً
٦ أيلول ٢٠٢٦
في محل صغير لتصليح الكاميرات في دمشق، خلال تسعينيات هادئة على السطح، كان شاب ترك دراسة إدارة الأعمال يفكك عدسات الزبائن ويعيد تركيبها. عشر سنوات من الأحشاء الميكانيكية للصورة كانت مدرسته الوحيدة. لا كلية فنون، ولا معهد سينما. حين خرج عمار البيك من ذلك المحل كان يعرف الكاميرا من الداخل كما يعرف الرسام قماشته، وبدأ يصنع بها أفلاماً لا تشبه ما حوله.
المخرج الذي جاء من الظل
ولد البيك في دمشق في كانون الأول 1972. مساره معكوس تماماً بالقياس إلى جيله: معظم فناني سوريا مروا من بوابة كلية الفنون الجميلة أو المعاهد الأكاديمية، أما هو فتكوّن خارج أي مؤسسة. هذه العصامية صارت لاحقاً جزءاً من هويته الفنية: نظرة حرة لا تدين لمنهج، وولع بمادية الصورة نفسها - الضوء، الحبيبات، التباين - ورثه عن سنوات التصليح.
النقلة الكبرى جاءت عام 2006 حين اختير فيلمه «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» في مسابقة «آفاق» بمهرجان البندقية، ونال جائزة Doc/It. بعدها بعام أخذ الصقر الذهبي في مهرجان روتردام للفيلم العربي. ثم عاد إلى البندقية عام 2011 بفيلم «حاضنة الشمس» الذي صور الزلزال العربي من داخل بيت وعائلة، ليصير المخرج الوحيد الذي مثّل سوريا مرتين في أعرق مهرجانات السينما. الفيلم نفسه نال جائزة لجنة التحكيم في بوسان عام 2012.
بين الشاشة والجدار
تصنيف البيك مسألة خاسرة سلفاً. أفلامه القصيرة أقرب إلى التجهيز الفني، وصوره الفوتوغرافية الكبيرة تعمل كلقطات سينمائية مجمدة. غاليري أيام، الذي احتضن أعماله ضمن جيل الانتشار السوري - وقصته في مقال غاليري أيام - قدّمه فناناً بصرياً شاملاً لا مخرجاً فحسب. وعُرضت أعماله في قصر طوكيو بباريس عام 2012، وتقتني مجموعات مؤسساتية كبرى بينها متحف لاكما في لوس أنجلوس صوره الفوتوغرافية.
صوره المطبوعة بتقنية الألترا كروم على قياسات كبيرة تشتغل كلها على هاجس واحد: الضوء والتباين، المادة الأولى التي تعلمها في محل التصليح. أن ينتهي بعضها معلقاً في لاكما، أحد أكبر متاحف الساحل الأميركي، خاتمة لا يجرؤ على كتابتها سيناريست: من فك براغي الكاميرات في دمشق إلى جدران المتحف في لوس أنجلوس.
هذا الازدواج ليس ترفاً بل جوهر مشروعه: الفن عنده فعل تمرد، والوسيط تفصيل. حين تضيق الشاشة يذهب إلى الجدار، وحين يضيق الجدار يعود إلى الشاشة.
سينما الحد الأدنى
يستحق فيلماه الكبيران وقفة أطول. «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» عام 2006 عمل تأملي عن الفقد والذاكرة، صنع بحساسية توثيقية شعرية أدهشت لجان البندقية وفتحت له أبواب المهرجانات من برلين إلى روتردام وساو باولو. أما «حاضنة الشمس» عام 2011 فولد من قلب اللحظة: بيت واحد، عائلة واحدة، وطفل رضيع، والزلزال العربي يتسرب إلى الداخل من شاشة التلفزيون ونوافذ الحي. لا مشاهد معارك ولا خطابة، بل الحرب كما تدخل مطبخ عائلة.
هذا الاقتصاد الصارم في الوسائل هو توقيعه. البيك يصنع أفلامه بفريق يكاد يكون فرداً واحداً، ويحتفظ لنفسه بالتصوير والمونتاج، فتخرج الصورة محمولة على حس فوتوغرافي خالص: كادرات ثابتة طويلة، ضوء طبيعي، وثقة نادرة بقدرة اللقطة على الكلام دون تعليق. من هنا قصر المسافة بين أفلامه وصوره الفوتوغرافية المعروضة في الصالات: كلاهما مبني من الوحدة نفسها، اللقطة المضبوطة ضبط الساعة.
وهو منذ 2011 في منفى اختياري لم يعد إلى دمشق بعده، حاملاً أرشيفه الشخصي مدينةً متنقلة على أقراص صلبة.
برلين والمنفى الشغال
منذ 2014 يعيش البيك ويعمل في برلين، وقد تحول المنفى نفسه إلى مادة اشتغاله. في 2017 خصه متحف نويكولن البرليني بعرض، وصارت تجربة اللجوء والذاكرة والبيت المفقود محور أعماله الجديدة. هو اليوم واحد من أبرز وجوه الحاضنة الفنية السورية في برلين، المدينة التي جمعت أكبر جالية فنية سورية في أوروبا، ومشهدها كاملاً نغطيه في مقال الفن السوري بين إسطنبول وبرلين.
علاقة الحرب بجيله كاملة، وكيف قلبت موضوعات الفن السوري وأسواقه، تجدها في مقال الحرب والفن السوري.
ماذا يعني اقتناء عمار البيك؟
للمقتني، حالة البيك خاصة: إنتاجه الفوتوغرافي محدود الطبعات وذو حس سينمائي نادر، ووجود أعماله في مقتنيات متحفية غربية يمنحه أرضية توثيقية صلبة. أعماله ليست من النوع الذي يظهر كل موسم في المزادات، فهي تتحرك عبر الغاليريات والمعارض المؤسساتية أساساً، والقاعدة معه كما مع كل الفن المعاصر: الطبعة الموثقة الموقعة أولاً، وسجل العرض ثانياً.
موقعه بين الأسماء السورية الكبيرة تجده في قائمة أشهر الفنانين السوريين، والمشهد كله في فهرس المقالات. أما خلاصة قصته فتصلح درساً لأي فنان شاب: لم يمر من أي بوابة رسمية، فبنى بوابته بيديه، من قطع غيار الكاميرات.
أسئلة شائعة
من هو عمار البيك؟
مخرج وفنان بصري سوري ولد في دمشق عام 1972. علّم نفسه التصوير خلال عمله عشر سنوات في محل لتصليح الكاميرات، وصار المخرج الوحيد الذي مثّل سوريا مرتين في مهرجان البندقية السينمائي، بفيلمي «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» 2006 و«حاضنة الشمس» 2011. يقيم في برلين منذ 2014.
ما الجوائز الأبرز في مسيرته؟
نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان بوسان الدولي عام 2012 عن «حاضنة الشمس»، وجائزة Doc/It في البندقية عام 2006، وجائزة الصقر الذهبي في مهرجان روتردام للفيلم العربي عام 2007. وتقتني مؤسسات كبرى أعماله الفوتوغرافية، بينها متحف لاكما في لوس أنجلوس.
هل عمار البيك سينمائي أم فنان تشكيلي؟
الاثنان معاً ولا يفصل بينهما. أفلامه أقرب إلى التجهيز البصري منها إلى السرد التقليدي، وصوره الفوتوغرافية تحمل حساً سينمائياً في الضوء والتكوين، وقد عرضت أعماله في صالات ومتاحف بينها قصر طوكيو في باريس ومتحف نويكولن في برلين.