المنفى موضوعاً: كيف رسم السوريون الغياب

6 September 2026

في قاعة متحف الموسيم بمرسيليا يرقد شارع دمشقي بطول ستة أمتار: شرفات مقصوفة، باب خلعه انفجار، كرسي مقلوب ترك صاحبه المكان للتو. صنعه بالطين نحات سوري في ضاحية باريسية وسماه «ها هو قلبي». من يقف أمامه يفهم فوراً أن المنفى في الفن السوري ليس عنواناً عاطفياً، بل تقنية عمل كاملة: أن تعيد بناء ما لم يعد موجوداً، بيديك، من مسافة لا تسمح بالتحقق.

الجيل الأول: منفى بلا اسم

قبل أن يصير المنفى قضية جيل، عاشه مروان قصاب باشي وحيداً. غادر دمشق إلى برلين عام 1957، وكرّس النصف الثاني من مسيرته لرسم الرؤوس: رؤوس ضخمة مبنية بطبقات لونية كثيفة حتى تبدو ملامحها تضاريس أرض. لم يسمّ ذلك فن منفى، ولم يحتج. وجه يحمل تضاريس بلاد، يرسمه رجل غادر بلاده شاباً ولم يعد إليها إلا زائراً - القراءة تفرض نفسها. ظل دمشقياً معلناً في برلين حتى وفاته في تشرين الأول 2016، يكتب بالعربية ويستقبل الفنانين العرب في مرسمه، وبينهم شاب اسمه تمّام عزّام.

2013: الغياب يصير صورة عالمية

حين اشتعلت الحرب غادر تمّام عزّام دمشق إلى دبي، بلا مرسم ولا زيت ولا قماش. فصار الحاسوب محترفه المؤقت. مطلع شباط 2013 نشر «غرافيتي الحرية»: عاشقا غوستاف كليمت بذهبهما الفييني فوق جدار سوري أكلته الشظايا. خلال أيام غطتها CNN وTIME وصحف من طوكيو إلى ساو باولو، وصارت أشهر صورة أنتجها فنان سوري عن الحرب.

العمل ابن المنفى بمعنى حرفي: لولا فقدان المرسم لما وُلدت السلسلة الرقمية أصلاً. وفكرته هي فكرة المنفى نفسها - وضع ما تحب فوق ما فقدت، ومعايشة استحالة الجمع بينهما.

أعمال الغياب: خط زمني موثق

الغياب مرسوماً من داخله

عزة أبو ربعية تقلب المعادلة. الحفارة المولودة في حماة عام 1980، والتي اقتنى المتحف البريطاني ثلاثاً من محفوراتها عام 2014، اعتقلت عام 2015 ورسمت في زنزانتها بسجن عدرا وجوه رفيقاتها بقلم رصاص وورق حصلت عليهما بشق النفس: رامة، رئيفة، هيام، مريم، والمدونة طل الملوحي. خرجت الرسوم من الجدران، وعرضت منظمة العفو الدولية بورتريهات سجينات لها في بيروت عام 2017 ضمن معرض عن المغيبين، وأفردت نيويورك تايمز لتجربتها تحقيقاً عام 2018.

هذه الرسوم أقسى تعريف ممكن للموضوع: الغياب هنا ليس ذكرى وطن بعيد، بل نساء حاضرات جسداً ومغيبات عن العالم، يرسمهن شاهد من داخل الغياب نفسه. حين استقرت أبو ربعية في بيروت لاحقاً كانت قد جربت المنفيين معاً: منفى المكان ومنفى الجدران.

إعادة بناء ما لم يعد موجوداً

ثم يأتي خالد دوّا ليمنح الغياب حجماً ووزناً. النحات المولود في مصياف عام 1985، الخريج من قسم النحت بكلية الفنون الجميلة بدمشق عام 2007، وصل فرنسا أواخر 2014 بعد إصابة واعتقال وعام قضاه متخفياً في لبنان. في محترفه الباريسي بدأ عام 2018، أثناء استعادة النظام للغوطة الشرقية، منحوتته «ها هو قلبي» - Voici mon cœur: شارع سوري مدمر بطول يقارب ستة أمتار، أهدتها مؤسسة أنطوان دو غالبير مع داعمين آخرين إلى متحف الموسيم في مرسيليا.

الطين خامة ذات دلالة هنا. دوّا لا يصور الخراب من بعيد كما تفعل الكاميرا؛ يعيد تشييده بأصابعه، شرفة شرفة، كمن يتحقق باللمس من أن ما فُقد كان حقيقياً.

أربعة أفعال للغياب

رتّب الأعمال الأربعة زمنياً تحصل على قواعد صرف كاملة لفعل الغياب: مروان حوّله ملامح، وعزّام ركّبه صورة، وأبو ربعية شهدت عليه من داخله، ودوّا أعاد بناءه بالطين. لا يجمعها أسلوب ولا وسيط ولا جيل؛ يجمعها أن كلاً منها وجد طريقة لجعل ما هو غير موجود مرئياً. وهذا، في التعريف الأخير، عمل الفن كله.

السياق الأوسع لفن سنوات الحرب في الحرب والفن السوري، ومشهد الفنانين السوريين في عواصم الشتات في الفن السوري بين إسطنبول وبرلين، والمزيد في فهرس المقالات.

FAQ

هل المنفى موضوع جديد في الفن السوري؟

لا. مروان قصاب باشي غادر دمشق إلى برلين عام 1957 وظل يرسم الرأس البشري كأرض بعيدة أربعين عاماً حتى وفاته عام 2016. لكن ما بعد 2011 حوّل المنفى من تجربة فردية إلى حالة جيل كامل، فصار الغياب موضوعاً مركزياً معلناً.

ما أشهر عمل سوري أنجز في المنفى بعد 2011؟

«غرافيتي الحرية» لتمّام عزّام: تركيب رقمي يضع «قبلة» كليمت الذهبية على جدار سوري مقصوف، أنجزه في دبي ونشره مطلع شباط 2013، فتناقلته CNN وTIME وصحف عالمية خلال أيام وصار أيقونة بصرية للحرب السورية.

هل كل فن الغياب أُنجز خارج سوريا؟

أبرز الأمثلة المعاكسة عزة أبو ربعية التي رسمت رفيقات زنزانتها في سجن عدرا عام 2015 بقلم رصاص وورق حصلت عليهما بشق النفس، قبل أن تخرج إلى بيروت وتعرض منظمة العفو الدولية بورتريهات سجينات لها عام 2017. الغياب هنا رُسم من داخله.