هالة الفيصل: من حمص إلى تايمز سكوير
6 September 2026
في ظهيرة صيف 2005 توقفت حركة المشاة في تايمز سكوير، قلب نيويورك التجاري، أمام امرأة عارية كتبت على جسدها عبارات ضد الحرب في العراق وفلسطين. لم تكن ناشطة محترفة ولا باحثة عن شهرة عابرة، بل رسامة سورية من حمص اسمها هالة الفيصل، قررت أن اللوحة هذه المرة هي جسدها نفسه. أوقفتها الشرطة وأخلت سبيلها خلال ساعة، وبقيت الصورة تدور في الصحافة العالمية أعواماً.
هذه الحادثة، على ضجيجها، ليست سوى فصل واحد من مسار فني بدأ قبلها بربع قرن في مدرسة الرسم الأولى: البيت والمدينة.
من حمص إلى كلية الفنون
ولدت الفيصل في حمص عام 1960 لعائلة معروفة، والتحقت بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق لتتخرج منها عام 1983. الكلية كانت يومها في ذروة دورها كبوابة وحيدة تقريباً لمن يريد الاحتراف الفني في سوريا، وقصتها كاملة نرويها في مقال كلية الفنون الجميلة. لكن اللافت في مسار الفيصل أن دمشق لم تكن محطتها الأخيرة بل الأولى.
بعد التخرج تابعت الدراسة والعمل في معاهد موسكو ثم باريس ثم نيويورك. ثلاث مدارس فنية متباعدة المزاج: الصرامة الأكاديمية الروسية، والحرية اللونية الباريسية، وطاقة نيويورك التجريبية. من هذا المزيج خرجت لغتها الخاصة، وفي مركزها الجسد الإنساني مرسوماً بجرأة لم تكن مألوفة عند مجايليها، والمرأة حاضرة بوصفها ذاتاً لا موضوعاً للفرجة.
الرسامة الممثلة
قلة يعرفون أن للفيصل حضوراً سينمائياً. في عام 1986 ظهرت في فيلم «وقائع العام المقبل» للمخرج سمير ذكرى، أحد أفلام الثمانينيات السورية المهمة. التمثيل لم يتحول عندها إلى مهنة موازية، لكنه يكشف شيئاً جوهرياً في شخصيتها الفنية: الأداء أمام الجمهور ليس غريباً عنها، والحد الفاصل بين اللوحة والفعل الحي كان عندها رفيعاً دائماً. احتجاج تايمز سكوير بعد عقدين لم يأت من فراغ.
تتقن الفيصل ست لغات بينها الروسية والفرنسية والألمانية والإسبانية، وهي خريطة لغوية ترسم بدقة خريطة تنقلها. ومنذ 2007 تحمل الجنسية الألمانية إلى جانب السورية، وتتوزع حياتها بين أوروبا والولايات المتحدة مع صلة لم تنقطع بدمشق.
الجسد موضوعاً لا فضيحة
يسهل اختزال الفيصل في حادثة نيويورك، والاختزال ظلم مزدوج: للحادثة وللمشروع. من يعود إلى لوحاتها يجد أن الجسد عندها موضوع تشكيلي قديم ومدروس، لا صرخة طارئة. رسمته منذ الثمانينيات بحساسية تجمع بين الدرس الأكاديمي الروسي الصارم وحرية اللون التي التقطتها في باريس، وكان رسم العري في الوسط الفني السوري وقتها ممكناً داخل الكلية ومحفوفاً بالحذر خارجها.
الفارق الذي صنعته الفيصل أنها أخرجت هذا الموضوع من حياد المرسم إلى المعنى العام. الجسد في أعمالها ليس نموذجاً معلقاً في فراغ بل كائن له سيرة: امرأة تنظر، تتعب، تقاوم. وحين قررت عام 2005 أن تجعل جسدها هي نفسه حامل الرسالة، كانت تمد خطاً بدأته على القماش قبل عشرين عاماً. النقاد الذين قرأوا الحادثة معزولة عن اللوحات فاتهم أنها كانت تطبيقاً حرفياً لقناعة تشكيلية: أصدق سطح تكتب عليه هو الذي تملكه.
في هذا تلتقي مع سؤال شغل الفنانات السوريات جيلاً بعد جيل: من يملك صورة المرأة، الراسم أم المرسومة؟ إجابة الفيصل كانت الأكثر مباشرة بينهن جميعاً.
العودة إلى دمشق
الغياب الطويل عن الصالات السورية انتهى بمعرض في دمشق وثقته وكالة سانا بوصفه عودة بعد ثلاثة عشر عاماً من الانقطاع عن العرض المحلي. للعودة معنى مزدوج عند فنانة مثلها: استعادة جمهور الداخل الذي تغيّر كثيراً، واختبار لأعمال نضجت في المنافي أمام عيون المدينة الأولى.
لجمهور دمشق كان المعرض أيضاً اختباراً لذاكرة المدينة نفسها. جيل كامل من روادها الشباب لم يكن قد ولد حين غادرت، ويعرفها من صورة الاحتجاج المتداولة أكثر مما يعرف لوحاتها. أن تقف اللوحات أخيراً أمام هذا الجمهور، بلا وساطة الحادثة وضجيجها، هو بمعنى ما تصحيح متأخر لترتيب الأشياء: الرسم أولاً، وكل ما عداه هامش عليه.
في السوق، تبقى أعمال الفيصل من الفئة التي تتحرك عبر الصالات والاقتناء المباشر أكثر مما تظهر في المزادات الكبرى، وهو حال معظم جيلها ممن لم تتبنهم غاليريات خليجية أو غربية كبيرة. من يقتني لها اليوم يقتني اسماً له موقع مؤكد في تاريخ الفن النسوي السوري، وأرشيفاً بصرياً لجرأة سبقت زمنها.
موقعها في المشهد
بين رائدات مثل ليلى نصير وجيل الحرب الشاب تقف الفيصل في جيل الوسط: الجيل الذي درس في دمشق وخرج مبكراً إلى العالم، وفتح الطريق لفكرة الفنانة السورية العابرة للعواصم. هذا الخيط النسوي كاملاً، من الرائدات إلى بنات اليوم، نفرده في دليل الفنانات السوريات، وموقعها بين الأسماء الكبيرة عموماً تجده في قائمة أشهر الفنانين السوريين.
أما من يريد المشهد كله، أسواقاً وتاريخاً وصالات، فبوابته فهرس المقالات. قصة الفيصل تذكير بأن بعض أهم الفن السوري لم يُرسم في سوريا، لكنه لم يكف يوماً عن الرسم عنها.
FAQ
من هي هالة الفيصل؟
فنانة تشكيلية سورية ولدت في حمص عام 1960، تخرجت من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1983 ثم تابعت دراستها الفنية بين موسكو وباريس ونيويورك. عرفت بجرأتها في رسم الجسد الإنساني وبتنقلها بين عواصم الفن، وتحمل الجنسية الألمانية إلى جانب السورية.
ما قصة احتجاجها الشهير في نيويورك؟
في عام 2005 وقفت الفيصل عارية في ساحة تايمز سكوير وقد كتبت على جسدها عبارات ضد الحرب في العراق وفلسطين. أوقفتها الشرطة وأطلقت سراحها خلال ساعة تقريباً، وصارت الحادثة واحدة من أشهر أفعال الاحتجاج الفني العربي في الفضاء العام الغربي.
هل عملت هالة الفيصل في غير الرسم؟
نعم. مثّلت في السينما السورية، وأبرز أدوارها في فيلم «وقائع العام المقبل» لسمير ذكرى عام 1986. كما تتقن عدة لغات بينها الروسية والفرنسية والإنكليزية والألمانية، وهو أثر مباشر لسنوات تنقلها بين موسكو وباريس ونيويورك وبرلين.