كيفورك مراد: الرسم الحي مع الموسيقى
6 September 2026
على المسرح تشيللو، كلارينيت، وحامل رسم موصول بكاميرا. يبدأ العزف، فيغمس كيفورك مراد ريشته بالحبر الأسود ويرسم - والجمهور يشاهد الخطوط تولد على الشاشة خلف العازفين في اللحظة نفسها. قوس يتحول إلى قبة، القبة إلى مدينة، المدينة تتصدع ثم تُبنى من جديد. حين تنتهي المقطوعة تكون اللوحة قد عاشت حياتها كاملة أمامك.
هذه التقنية، التي يسميها مراد «الرسم الحي» أو الرسم الآني، جعلته حالة فريدة في الفن السوري المعاصر: فنان لوحته أداء زمني، لا سلعة تُعلّق.
من القامشلي إلى يريفان إلى نيويورك
وُلد كيفورك مراد في القامشلي عام 1970، في أقصى الشمال الشرقي السوري، لعائلة أرمنية وصلت المدينة هرباً من مجازر 1915. نشأ بين ثلاث لغات وذاكرتين جريحتين: ذاكرة الأرمن الناجين، وذاكرة الجزيرة السورية بتنوعها. درس الفن في حلب ثم نال الماجستير في الفنون الجميلة من معهد يريفان بأرمينيا، قبل أن يستقر في نيويورك حيث يعيش ويعمل حتى اليوم.
خطه ينتمي إلى سلالة بصرية واضحة: المنمنمات الأرمنية والعربية، العمارة المتراكمة للمدن القديمة، والحبر الذي يسيل فيرسم أطلالاً ونوافذ وحشوداً. لكن المفصل في مسيرته لم يكن أسلوباً بل فكرة: أن يرسم مع الموسيقيين لا عنهم.
الفنان البصري الوحيد في فرقة طريق الحرير
في مطلع الألفية انضم مراد إلى «فرقة طريق الحرير» التي أسسها عازف التشيللو الشهير يو-يو ما، بوصفه الفنان البصري الوحيد بين عشرات الموسيقيين. عزف الفرقة يجمع تقاليد موسيقية من الصين إلى المتوسط، ورسم مراد كان الجسر البصري بينها. ظهر معهم في حفلات كبرى - من سنترال بارك في نيويورك مع بوبي مكفرين إلى قاعات المتاحف - وفي الفيلم الوثائقي The Music of Strangers عام 2016.
عمله الأطول نفساً جاء مع ابن بلده، عازف الكلارينيت الدمشقي كنان العظمة. عرضهما المشترك «وطن في الداخل» (Home Within) الذي أُطلق عام 2013 تأمل بصري-موسيقي في السنوات السورية الأولى من الحرب، جال العالم لسنوات: الرسم يتقدم والموسيقى تجيب، ثم تنقلب الأدوار.
من المسرح إلى المتحف
لم يبقَ عمل مراد حبيس خشبة المسرح. في 2019 كلّفته مؤسسة الآغا خان بعمل تركيبي ضخم بعنوان «الرؤية عبر بابل» (Seeing Through Babel) في المركز الإسماعيلي بلندن - رسم-منحوتة بارتفاع نحو ستة أمتار، طبقات شفافة من القماش المرسوم تتداخل فتمشي داخل اللوحة بدل أن تقف أمامها. وأقام إقامة فنية في متحف الآغا خان بتورونتو حوّل خلالها قاعة المتحف إلى مرسم مفتوح.
قدّم عروضه وأعماله في متحف المتروبوليتان ومتحف بروكلين ومعهد شيكاغو للفنون ومركز كينيدي، ودرّس كفنان مقيم في جامعات هارفارد وبرانديز وهولي كروس. وفي السوق يمثله غاليري ليلى هلر (نيويورك - دبي)، حيث تُعرض أعماله الورقية والقماشية الثابتة - النسخة التي يمكن اقتناؤها من فن صُمم أصلاً ليتحرك.
لماذا يهم هذا الفن جامعي الأعمال السورية؟
مراد يجيب عملياً على سؤال يشغل المشهد كله: كيف يحمل الفنان السوري ذاكرة مدن تتهدم وهو بعيد عنها؟ إجابته ليست توثيقاً ولا بكائية، بل بناء متواصل: مدنه المرسومة تنهار وتقوم في العرض الواحد عشرات المرات. من يتابع الفن السوري في سنوات الحرب يجد عنده الخيط الأكثر تفاؤلاً في تلك الحكاية.
أما لمن يبدأ التعرف على المشهد، فمراد اسم من قائمة أوسع نتناولها في أشهر الفنانين السوريين، إلى جانب مجايلين اختاروا دروباً مغايرة تماماً: خالد دوّا الذي نحت الحرب طيناً وبرونزاً في منفاه الفرنسي، وعمران يونس الذي ظل يرسمها بضربات محمومة. وخلفهم جيل المؤسسين - نعيم إسماعيل وممدوح قشلان - الذين مهدوا الطريق قبل أكثر من نصف قرن. المزيد في فهرس المقالات.
FAQ
ما هو الرسم الحي الذي يمارسه كيفورك مراد؟
تقنية يرسم فيها الفنان على المسرح أثناء العزف الموسيقي، وتُعرض الخطوط لحظة ولادتها على شاشة كبيرة خلف العازفين. اللوحة تتشكل وتتحول مع الموسيقى، فيصير الرسم أداءً زمنياً لا عملاً نهائياً معلقاً على جدار.
هل كيفورك مراد سوري أم أرمني؟
الاثنان معاً. وُلد في القامشلي شمال شرق سوريا عام 1970 لعائلة أرمنية نجت من مجازر 1915، ودرس الفنون في يريفان بأرمينيا، ويقيم ويعمل في نيويورك. هذا التقاطع بين الذاكرتين السورية والأرمنية هو مادة أعماله الأساسية.
أين يمكن مشاهدة أعماله؟
أعماله المسرحية تُعرض في جولات حول العالم، وظهر في فيلم The Music of Strangers عن فرقة طريق الحرير عام 2016. له أعمال دائمة وتكليفات لدى متحف الآغا خان في تورونتو والمركز الإسماعيلي في لندن، ويمثله غاليري ليلى هلر.