خالد دوّا: النحت شاهداً
6 September 2026
شارع كامل من دمشق المقصوفة يرقد في قاعة متحف أوروبي: واجهات متآكلة، شرفة معلقة على حديد ملتوٍ، باب خلعه الانفجار، وكرسي مقلوب ترك صاحبه المكان للتو. ستة أمتار من الطين والخشب والبوليسترين صنعها نحات سوري في منفاه الفرنسي وسماها «ها هو قلبي» - Voici mon cœur. ليست مجسماً لمدينة بعينها، بل لكل شارع سوري أكلته البراميل.
صاحب العمل خالد دوّا، وقصته من القصص التي يختصر فيها فنان واحد جيلاً بأكمله.
من مصياف إلى كلية الفنون
وُلد دوّا عام 1985 في مصياف غرب سوريا، وتخرج من قسم النحت في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 2007. مشروع تخرجه حمل عنوان «في الانتظار» - عنوان سيبدو لاحقاً نبوءة: الانتظار سيصير الثيمة التي تطارد أعماله، من طوابير المنتظرين إلى المنفيين العالقين بين حياتين.
مع انطلاق الاحتجاجات عام 2011 كان دوّا من مؤسسي مجموعة «البستان» الثقافية في دمشق، وعمل فيها حتى 2013. ثم جاءت الإصابة والاعتقال، فالخروج إلى لبنان حيث أمضى عاماً متخفياً يعمل سراً وينشر منحوتاته الطينية عبر صفحة على فيسبوك بعنوان «طين وسكين». في أواخر 2014 وصل إلى فرنسا حيث يقيم منذ ذلك الحين.
«ها هو قلبي»: نصب تذكاري معاصر
بدأ دوّا منحوتته الكبرى عام 2018، بينما كانت قوات النظام تستعيد الغوطة الشرقية. عمل عليها سنوات في محترفه: هيكل من الخشب والبوليسترين كساه طيناً ونحت فيه الخراب طابقاً طابقاً، من الداخل والخارج، حتى الكراسي المقلوبة خلف النوافذ المحطمة.
القصد لم يكن استدرار الشفقة. دوّا قالها صراحة في حواراته: العمل دعوة لعدم نسيان ثورة السوريين وتضحياتهم، ونصب تذكاري لحرب لم يُسمح لضحاياها بنصب. عُرض العمل في أوروبا - من فرنسا إلى متحف بيلدن آن زي في لاهاي - قبل أن تقتنيه مجموعة متحف الموسيم (Mucem) في مرسيليا هديةً من مؤسسة أنطوان دو غالبير بدعم من مؤسسة برجيل وآخرين. تتردد أحياناً نسبة العمل إلى مركز بومبيدو، وهي غير دقيقة: الوجهة الموثقة هي الموسيم.
طين وسكين: الأسلوب
أدوات دوّا بسيطة عمداً: طين يُعجن ويُشقّ بالسكين، ثم يُصب بعضه برونزاً. شخوصه متورمة ومتصدعة في آن - جنرالات منتفخون على كراسٍ تبتلعهم، معتقلون تنوس أجسادهم كالشموع، حشود «الباسّون» (المارّة) الذين ينتظرون شيئاً لا يأتي. المنجز النحتي عنده امتداد لتقليد سوري في النحت التعبيري، لكنه محقون بتجربة السجن والقصف والمنفى حقناً مباشراً.
اقتنت أعماله مؤسسة كلود وفرانس لوماند التي تودع مجموعتها في معهد العالم العربي بباريس، وظهرت قطعه في مزادات بونهامز، وهو حاضر بانتظام في المعارض الأوروبية المكرسة لفناني الشتات السوري.
أين يقع دوّا في المشهد؟
في خريطة الفن السوري وسنوات الحرب، يمثل دوّا القطب التوثيقي الصلب: حيث يرسم كيفورك مراد المدن وهي تنبعث على إيقاع الموسيقى، يثبّت دوّا الخراب في الطين كي لا يُنسى، وحيث يفجر عمران يونس العنف لوناً على القماش، يبنيه دوّا حجماً تمشي حوله. ثلاثة أجوبة على سؤال واحد.
وليست هذه القطيعة الأولى بين أجيال الفن السوري: قبل نصف قرن كان نعيم إسماعيل وممدوح قشلان يبنيان حداثة متصالحة مع التراث، هي الأرض التي انقلب عليها جيل الحرب. البانوراما الكاملة في أشهر الفنانين السوريين، والمزيد في فهرس المقالات.
FAQ
ما هو عمل «ها هو قلبي» لخالد دوّا؟
منحوتة ضخمة بعنوان Voici mon cœur بطول يقارب ستة أمتار وارتفاع يتجاوز المترين، تمثل شارعاً سورياً مدمراً بتفاصيله: الشرفات المقصوفة والأبواب المخلوعة والكراسي المقلوبة. بدأها عام 2018 أثناء استعادة النظام للغوطة الشرقية، وأهدتها مؤسسة أنطوان دو غالبير مع داعمين آخرين إلى متحف الموسيم (Mucem) في مرسيليا.
أين يعيش خالد دوّا اليوم؟
في فرنسا منذ أواخر 2014، حيث يقيم ويعمل في محترفه في باريس بعد مغادرته سوريا ثم عام قضاه متخفياً في لبنان.
هل أعماله متاحة للاقتناء؟
نعم. إلى جانب القطع المتحفية الكبيرة، ينتج دوّا منحوتات من الطين والبرونز بأحجام مقتنى، ظهرت في مزادات بونهامز وعبر منصات مثل Artscoops، واقتنت أعماله مؤسسة كلود وفرانس لوماند ومعهد العالم العربي في باريس.