التجريد السوري: من حماد إلى مراد
6 September 2026
لوحة من سبعينات القرن الماضي: كلمة عربية ذابت في مساحات لونية متراصة كجدران بيت شامي، الألف عمود والنقاط مربعات صغيرة تضبط الإيقاع. حاول أن تقرأها وستفشل، وهذا مقصود. صاحبها محمود حماد لم يكن خطاطاً يزخرف بل مهندساً يبني باللغة، ولوحته هذه واحدة من ثلاث إجابات سورية مختلفة عن سؤال واحد شغل جيلاً كاملاً: كيف نصنع لوحة بلا موضوع، ولا تكون مع ذلك استعارة من باريس أو نيويورك؟
سؤال الستينات
التجريد وصل المشرق قضية لا موضة. في دمشق الستينات كان الجيل الذي درس في روما وباريس والقاهرة يبحث عن حداثة بعيون محلية، والمنعطف جاء موثقاً بالتواريخ: عام 1964 ترك نصير شورى، أبو الانطباعية السورية نفسه، مدرسته التي قادها عقدين واتجه إلى التجريد الخالص. وفي 1965 تأسست «جماعة دمشق» من شورى ومحمود حماد وإلياس زيات، وعرضت في صالة سيوان، ووصلت أعمال أعضائها في العام نفسه إلى بينالي ساو باولو.
من تلك النقطة تفرعت الطرق. ثلاثة منها تكفي لرسم الخريطة.
الفرع الأول: الكلمة بنياناً
حماد (1923-1988) درس في أكاديمية روما بين 1953 و1957، ودرّس في درعا حيث بدأت بيوته وحقوله تتحول مساحات هندسية، ثم وقع في الستينات على منجمه: الحرف العربي. لم يكن وحده؛ الحروفية كانت تتخلق في العراق ومصر والمغرب في الوقت نفسه. لكن نسخته تميزت بالانضباط الهندسي: الحرف عنده يقف كحجر في بناء، لا يتلوى ولا يتناثر.
النتيجة تجريد بجذر بصري إسلامي عميق، أكسبه موقعاً مرجعياً في الحروفية العربية كلها، ومقتنيات في المتحف العربي للفن الحديث بالدوحة والمتحف الوطني بدمشق. ومن موقعه عميداً لكلية الفنون الجميلة بين 1970 و1980 مرر المنهج إلى أجيال كاملة.
الفرع الثاني: الطبيعة مصفّاة
طريق شورى (1920-1992) كان معاكساً في اتجاهه. جاء إلى التجريد من ذروة الانطباعية، وبعد نحو عشر سنوات تجريدية خالصة عاد في السبعينات إلى المشهد الطبيعي - لكن بعين مرت بالتجريد ولا تستطيع العودة عنه. مشاهد مبسطة الكتل، مصفاة اللون، تحتفظ بإحساس الضوء الانطباعي وتبنيه بعقل هندسي. كثيرون يعتبرون هذه المرحلة الثالثة أنضج ما أنجز.
درس شورى هنا مهم لفهم التجريد السوري كله: لم يكن قطيعة مع الطبيعة بقدر ما كان تصفية لها. اللوحة السورية المجردة نادراً ما تخلو من ذاكرة مكان.
الفرع الثالث: الضربة الحرة
الجيل التالي حسم لصالح الحرية الكاملة. عبد الله مراد، المولود في حمص عام 1944 والمتخرج في قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1970، بنى مشروعه على التجريد التعبيري: تكوينات لامتناظرة، طبقات تتراوح بين عجائن سميكة وشفافيات رقيقة، وأحياناً قصاصات صحف داخل العمل. مرجعاه المعلنان إيقاعات الأرابيسك وألوان الوحوشيين، وعبارته المأثورة تلخص منهجه: الفن كالرقص، تظل تتحرك مع ما يجري.
نال مراد عام 1984 الجائزة الأولى في معرض «تحية إلى ميرو وبيكاسو» بالمركز الثقافي الإسباني في دمشق، وعرض في غاليري أتاسي وأيام وكلود لوماند بباريس، ودخلت أعماله متحف الشارقة والمتحف الوطني بدمشق ومؤسسة دلول. واللافت أنه، بخلاف كثيرين من مجايليه، ما زال يقيم ويعمل في دمشق.
خريطة تُقرأ حتى اليوم
الفروع الثلاثة لم تنقرض؛ توزعت الأجيال اللاحقة عليها. الحروفية تجد امتدادها عند خطاطي التشكيل المعاصرين، وذاكرة المكان المصفاة تسكن أعمال المجردين المهاجرين، والضربة التعبيرية الحرة صارت لغة مشتركة في محترفات دمشق وبيروت. من أراد السياق الكامل لتلك العشرية الحاسمة فليقرأ الحداثة السورية في الستينات، ومن أراد البدايات كلها فليعد إلى تاريخ الفن التشكيلي السوري. المزيد من الملفات في فهرس المقالات.
FAQ
متى بدأ التجريد في الفن السوري؟
منعطفه المؤسس كان منتصف الستينات: نصير شورى ترك الانطباعية عام 1964 واتجه إلى التجريد، وفي 1965 شارك مع محمود حماد وإلياس زيات في تأسيس «جماعة دمشق» التي وصلت أعمالها إلى بينالي ساو باولو في العام نفسه.
ما الذي يميز حروفية محمود حماد؟
الانضباط الهندسي. الكلمة العربية عنده لا تتلوى تعبيرياً بل تقف كحجر في بناء: الألف عمود والحاء قوس، تشدها علاقات دقيقة من التوازن اللوني والكتلة والفراغ، حتى تصير اللوحة قابلة للتأمل لا للقراءة.
من هو عبد الله مراد؟
رسام سوري ولد في حمص عام 1944 وتخرج في قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1970. يعد من رواد التجريد التعبيري عربياً، بأعمال تستلهم إيقاعات الأرابيسك وألوان الوحوشيين في تكوينات لامتناظرة، وما زال يقيم ويعمل في دمشق. أعماله في مجموعات بينها متحف الشارقة والمتحف الوطني بدمشق ومؤسسة دلول.