أسعد عرابي - إيقاعات المدينة بين دمشق وباريس
6 September 2026
في بيت دمشقي قديم، كانت طفولة أسعد عرابي تمر بين مخطوطات جدته لأمه، خيرية البهلول، المتصوفة على طريقة محيي الدين بن عربي. المنمنمات الأصلية التي قلّبها في مجموعتها كانت أول درس في التصوير يتلقاه - قبل أي كلية وأي أكاديمية. بعد ستين عاماً، ما زالت لوحاته تحمل أثر ذلك البيت: مدينة تدور حول مركز خفي، كأنها في حلقة ذكر.
التكوين الدمشقي
ولد عرابي في دمشق عام 1941 لأب لبناني وأم سورية. في ستينيات القرن الماضي تدرّب مع الرسام الإيطالي غيدو لا ريجينا الذي كان يشجع نزعة تجريدية جديدة بين طلاب جامعة دمشق، وتخرج من كلية الفنون الجميلة - المؤسسة التي بناها جيل إلياس زيات ومجايلوه. بدأ برسم أزقة دمشق القديمة بحس واقعي دقيق، لكن الأزقة نفسها كانت تدفعه نحو شيء آخر: ليس شكل المدينة، بل إيقاعها.
باريس: الدبلوم والدكتوراه
عام 1975 انتقل إلى باريس، ولم تكن محطة عابرة؛ ما زال فيها حتى اليوم. نال دبلوم التصوير من المعهد العالي للفنون الجميلة، ثم دكتوراه في علم الجمال من السوربون - مسار مزدوج جعله في موقع نادر بين الفنانين العرب: رسام غزير الإنتاج ومنظّر جماليات وناقد يُقرأ له بجدية. من مرسمه الباريسي مرّت لوحاته بالتكعيب والتجريد الهندسي قبل أن تستقر على التعبيرية اللونية الصاخبة التي تُعرف بها اليوم.
المدينة كإيقاع، والطرب كلوحة
المفتاح إلى عرابي أن تنظر إلى لوحته بأذنيك. المدينة عنده ليست عمارة بل موسيقى: كتل لونية تتكرر وتتنافر كما تتكرر الجملة الموسيقية، أسطح دمشقية وأبواب وقباب تتحول إلى ضربات إيقاع. ومن هنا جاءت سلسلته المستوحاة من الطرب وأم كلثوم، حيث صوت المطربة يصير خطاً ولوناً وتموجاً على القماش.
هذه المعادلة - ذاكرة دمشقية صوفية بأدوات باريسية معاصرة - تضعه في قلب السؤال الذي فتحه توفيق طارق قبل قرن: كيف تأخذ لغة أوروبا وتقول بها شيئاً لا تستطيع أوروبا قوله؟ تتبّع هذا الخيط عبر الأجيال في تاريخ الفن السوري الحديث.
حضوره في المجموعات والسوق
منذ ثمانينيات القرن الماضي ترسخ اسم عرابي بين أبرز الفنانين العرب المعاصرين. أعماله في معهد العالم العربي في باريس ومتحف الفن المعاصر في برشلونة ومتحف في سيول، وتوثق تجربته موسوعة متحف الدوحة (Mathaf) ومؤسسة أتاسي، وعرضته غاليريهات عربية كبرى بينها أيام غاليري التي أقامت له معرضاً استعادياً لعقد كامل من أعماله (2007-2017).
للمقتني، يمثل عرابي ما يسميه أهل السوق «الحداثي الحي»: فنان من جيل الستينيات ما زال ينتج، بسجل مؤسسي طويل وحضور مزادي منتظم في مزادات الفن العربي. لوحات الطرب والمدينة الكبيرة هي الأكثر شهرة، وأعمال الورق مدخل معقول الكلفة. موقعه بين أعلام الفن السوري في دليل أشهر الفنانين السوريين، وبورتريهات جيله وما بعده - من يوسف عبدلكي إلى تمام عزام - في فهرس المقالات.
FAQ
من هو أسعد عرابي؟
رسام ومنظّر جماليات سوري من مواليد دمشق 1941، تخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ويقيم في باريس منذ 1975 حيث نال دبلوم التصوير ثم دكتوراه في علم الجمال من السوربون. من أبرز أسماء التجريد التعبيري العربي.
ما الذي يميز لوحاته؟
تحويل المدينة والموسيقى إلى إيقاع بصري: بدأ من أزقة دمشق القديمة بواقعية دقيقة، ثم مر بالتكعيب والتجريد الهندسي وصولاً إلى تعبيرية لونية صاخبة، ومن موضوعاته المعروفة سلسلته المستوحاة من الطرب وأم كلثوم.
أين توجد أعماله؟
في مجموعات مؤسسية بينها معهد العالم العربي في باريس ومتحف الفن المعاصر في برشلونة ومتحف في سيول بكوريا الجنوبية، إضافة إلى موسوعة متحف (Mathaf) ومؤسسة أتاسي وغاليريهات عربية ودولية.