إدوار شهدا: الوجوه الدمشقية

6 September 2026

في العشرين من كانون الأول 2023، مدّ إدوار شهدا على جدار صالة كامل بدمشق قماشة بطول سبعة أمتار ونصف وارتفاع يقارب الثلاثة: جدارية «في البدء كانت الكلمة»، أربعة أقسام تستحضر ثلاثة رجال قتلتهم كلمتهم - المسيح، والحلاج، وغيلان الدمشقي. فنان في الحادية والسبعين يقدم أضخم عمل بانورامي في مسيرته، ويقول لجمهوره إن السؤال الذي يشغله منذ نصف قرن لم يتغير: لماذا تُحارَب الكلمة؟

دمشقي التكوين والموضوع

ولد شهدا في دمشق عام 1952، وتدرب باكراً في مركز سهيل الأحدب بحماة قبل أن يدخل كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، البوابة التي مر منها معظم مجايليه. ثم أكمل تكوينه بإقامة في محترف فني في روسيا، حيث رسخت المدرسة الروسية عنده صنعة الرسم الأكاديمي المتين قبل أن يذيبها في لغته الخاصة.

«كنت مهووساً بالرسم دائماً. اللون شغفي الأكبر» - هكذا يلخص الرجل نفسه. وفي أعماله يظهر هذا الشغف منضبطاً بعمارة صارمة: وجوه جادة الملامح تكاد تكون متجهمة، يبني حولها توتراً بصرياً من تضاد الألوان وتفاوت سماكة الخط، بالأكريليك والزيت والحبر الهندي والوسائط المختلطة.

معجم من طبقات المدينة

الوجه عند شهدا ليس بورتريهاً لشخص بل خلاصة ذاكرة. في معجمه البصري تتراكب طبقات دمشق والبلاد كلها: الحكاية الشعبية، والأيقونة المحلية، والوجوه الآشورية، والمنحوتات التدمرية، والزخرفة الإسلامية. هذه ليست اقتباسات متحفية بل مواد حية يعجنها في تكوينات معاصرة، حتى ليقرأ عمله سجلاً لهوية بصرية سورية متصلة من تدمر إلى اليوم.

بهذا المعنى يجاور شهدا خط الأيقونة والتراث الذي يمثله زميله نزار صابور، لكن من ضفة مختلفة: صابور يذهب إلى القداسة ومادتها، وشهدا إلى الإنسان ووجهه. كلاهما يحفر في الأرض نفسها.

محطات إدوار شهدا

الجدارية درساً في البناء

قرب جدارية «في البدء كانت الكلمة» تفهم لماذا احتاج شهدا نصف قرن ليصل إليها. العمل مقسوم أربعة أقسام كأنه سور مدينة، وكل قسم يحمل اقتصاده اللوني الخاص، لكن العين تعبر بينها دون أن تتعثر: الخط الذي يحمل حكاية الحلاج يسلمك إلى غيلان الدمشقي، الفقيه الذي دفع حياته ثمن رأيه في العاصمة نفسها التي يرسم فيها شهدا اليوم. اختيار الشخصيات الثلاث ليس استعراضاً ثقافياً بل بناء حجة: المسيح والمتصوف والفقيه، ثلاث لغات مختلفة للكلمة الواحدة، وثلاث نهايات متشابهة.

معه في الصالة عرض الفنان تخطيطاته التحضيرية، وهي وحدها درس مفتوح في المطبخ الداخلي للعمل الكبير: كيف يوزن التكوين قبل أن يكبر عشرة أضعاف، وكيف يحسم اللون على الورق قبل القماش. حضور وزيرة الثقافة افتتاح المعرض، ووصفها العمل بأنه فكر ناضج يستدعي التاريخ ليسائل الحاضر، جعل من المعرض حدثاً رسمياً أيضاً - وهو موقع لطالما شغله شهدا بأريحية: فنان محترم من المؤسسة دون أن يرسم بلسانها.

قال شهدا إن غايته أن يحرض المشاهد على السؤال: لماذا تُقتل الكلمة في كل عصر؟ الجواب معلق على الجدار، بأربعة فصول.

من الإسكندرية إلى بكين

سجل شهدا في العرض طويل وممتد الجغرافيا: من سوريا وروسيا ولبنان ومصر إلى دبي وتركيا والولايات المتحدة وكندا وفرنسا وسويسرا والصين. شارك في بينالي الإسكندرية، وفي دورتين من بينالي بكين الدولي، وعرض في معهد العالم العربي بباريس - وهي محطات تمنح ملفه التوثيقي وزناً يتجاوز السوق المحلية.

لهذا الانتشار الشرقي تحديداً دلالة تستحق التوقف. في حين تعلق جيل الانتشار السوري الجديد بمحور دبي ولندن، بنى شهدا حضوره في محور آخر يمتد من القاهرة إلى موسكو فبكين، وهو محور المؤسسات الرسمية والبيناليات الحكومية الكبرى. الطريقان مختلفان اقتصادياً وجمهوراً، لكن الثاني يمنح ما لا يمنحه الأول دائماً: حضوراً في السجل المتحفي الرسمي لدول يقرأ فيها الفن قراءة تاريخية لا سوقية.

توثيق مسيرته لدى مؤسسة أتاسي، المرجع الأرشيفي الأول للفن السوري الحديث، يضيف طبقة أمان أخرى لمن يتتبع أعماله. أما مشهد الصالات الدمشقية الذي يعرض فيه، من كامل إلى سواها، فنغطيه في دليل صالات دمشق.

للمقتني: أين تقع أعماله؟

شهدا من الفئة التي يسميها تجار الفن «قيمة المشهد الداخلي»: اسم راسخ محلياً ومعروض دولياً عبر البيناليات، لكن أعماله تتحرك أساساً عبر الصالات والاقتناء المباشر لا عبر بيوت المزادات الكبرى. لمن يشتري من دمشق مباشرة ميزة نادرة: الوصول إلى الفنان حياً وتوثيق العمل من مصدره، وهي ميزة تفصلها قواعد دليل شراء الفن السوري.

اللوحات الوسيطة القياس من مراحله الناضجة هي مدخل الاقتناء المنطقي، أما الأعمال الجدارية الكبيرة فمصيرها الطبيعي مؤسسات ومجموعات كبرى. وموقعه بين الأسماء السورية عموماً تجده في قائمة أشهر الفنانين السوريين، والمشهد كله من بوابة فهرس المقالات.

نصف قرن على وجوه شهدا وهي محتفظة بجديتها الصارمة. المدينة التي أنجبتها تغيرت مراراً، والوجوه باقية تنظر إلينا، تسأل سؤالها الأول عن الكلمة وثمنها.

FAQ

من هو إدوار شهدا؟

فنان تشكيلي سوري ولد في دمشق عام 1952، درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وأكمل تدريبه في محترف فني في روسيا. يشتغل على الوجه الإنساني والرموز التراثية بالأكريليك والزيت والحبر الهندي والوسائط المختلطة، وعرضت أعماله من بينالي الإسكندرية إلى بينالي بكين ومعهد العالم العربي في باريس.

ما هي جدارية «في البدء كانت الكلمة»؟

عمل بانورامي ضخم بقياس 740×290 سنتيمتراً بالأكريليك والوسائط المختلطة، عرضه شهدا في صالة كامل بدمشق في كانون الأول 2023. تتوزع الجدارية على أربعة أقسام وتستحضر ثلاث شخصيات دفعت حياتها ثمناً لكلمتها: المسيح، والحلاج، وغيلان الدمشقي.

بماذا يتميز أسلوب شهدا؟

وجوه ذات ملامح صارمة متأملة، وتوتر بصري يبنيه بتضاد الألوان وسماكة الخطوط، ومعجم رمزي ينهل من الحكاية الشعبية والأيقونة المحلية والمنحوتات التدمرية والزخرفة الإسلامية. اللون عنده شغف معلن، والتراث مادة حية لا اقتباس متحفي.