رؤوس مروان: وجه واحد وأربعون عاماً

6 September 2026

قف أمام رأس من رؤوس مروان المتأخرة وتراجع خطوتين. ما بدا عن قرب عجينة لونية محروثة بالفرشاة - أخاديد حمراء، ترسبات زرقاء، طبقات تُبنى وتُهدم - يتجمع فجأة في وجه. عينان في غير محلهما تماماً، فم مائل، جبهة كهضبة. اقترب ثانية فيتفكك الوجه إلى أرض. هذه اللعبة بين المسافتين هي مشروع مروان قصاب باشي الذي شغل أربعين عاماً من حياته: الوجه بوصفه بلاداً.

دمشقي في برلين

وُلد مروان في دمشق عام 1934، ودرس الأدب العربي في جامعتها بين 1955 و1957 قبل أن يفعل ما لم يفعله أحد من جيله: بدل باريس أو روما، وجهتي الفنانين العرب المعتادتين، اختار برلين. وصلها عام 1957 والتحق بصف الرسام هان ترير في المدرسة العليا للفنون التشكيلية، وعاش في المدينة المقسومة حتى صار أحد أعلامها. عُيّن أستاذاً زائراً في المدرسة العليا للفنون بين 1977 و1979، ثم أستاذاً كاملاً عام 1980 - وظل يدرّس حتى تقاعده عام 2002، معلّماً لأجيال من الفنانين الألمان والعرب.

في الستينات رسم مروان شخوصاً تشخيصية غريبة: أصدقاء وشخصيات معلقة في فراغات ضاغطة، أجساد ملتوية بوجوه جانبية. لوحاته من تلك المرحلة - ومنها بورتريهاته لوجوه من المعارضة السورية والفكر العربي - تُعد اليوم من ذخائر المجموعات، وبعضها في متحف شتيدل بفرانكفورت.

الطريق إلى الرأس

التحول جاء على مراحل موثقة. في مطلع السبعينات ظهرت «الوجوه-المناظر الطبيعية»: وجوه ممددة أفقياً تحتل القماشة كلها، تُقرأ سهولاً وتلالاً بقدر ما تُقرأ ملامح. ثم جاءت «الماريونيت» في السبعينات أيضاً، دمى معلقة تحمل هشاشة الإنسان المسيّر. ومنذ منتصف السبعينات استقر مروان على موضوعه النهائي الذي لن يغادره: الرأس.

قال مراراً إن الوجه عنده وسيلة للتعبير عن العمق الدرامي للحياة، وإنه لا يرسم بورتريهات. رؤوسه ليست أشخاصاً بأسماء؛ إنها الرأس البشري كمكان، يزوره كل مرة بضوء مختلف. ومن هنا قوة السلسلة: التكرار ليس تشابهاً. رأس من 1976 يختلف عن رأس من 1996 اختلاف الشجرة بين فصلين، والموضوع الواحد صار مقياساً يُرى عليه تحول اللون والعجينة والمزاج عبر العقود.

يصعب ألا تُقرأ الرؤوس قراءة منفى. وجه يحمل تضاريس أرض، يرسمه رجل غادر أرضه شاباً ولم يعد إليها إلا زائراً. مروان نفسه ظل دمشقياً معلناً في برلين: يكتب بالعربية، يستقبل الفنانين العرب في مرسمه، ويشرف لاحقاً على محترفات شارك فيها شبان سوريون بينهم تمّام عزّام الذي يسميه أستاذاً مؤثراً في مساره.

من الشخوص إلى الرؤوس: خط زمني

الاعتراف المزدوج

قلة من الفنانين نالوا اعترافاً كاملاً في ثقافتين معاً. في ألمانيا انتُخب مروان عضواً في أكاديمية الفنون ببرلين، وعُرضت أعماله في كبريات مؤسساتها. وفي العالم العربي صار مرجعاً: مؤسسة برجيل في الشارقة ومؤسسة دلول في بيروت تقتنيان أعماله، وأسواق المزادات الخليجية تتنافس على رؤوسه ولوحات شخوصه المبكرة، وحضوره ثابت في أي سردية عن التصوير العربي الحديث إلى جانب لؤي كيالي وفاتح المدرّس - راجع موقعه في سجل أغلى الأعمال السورية.

توفي مروان في برلين في 23 تشرين الأول 2016 عن اثنين وثمانين عاماً، والحرب في بلده مشتعلة. لم يرسم الحرب مباشرة؛ لم يكن يحتاج. الرؤوس التي راكمها منذ السبعينات كانت قد قالت كل شيء سلفاً عن وجه يُحفر فيه الزمن حتى يصير أرضاً مضطربة.

من يريد أن يبدأ بمروان فليبدأ برأس واحد وليطل الوقوف. السيرة الكاملة في صفحة مروان قصاب باشي، والمزيد في فهرس المقالات.

FAQ

من هو مروان قصاب باشي؟

رسام سوري مولود في دمشق عام 1934، درس الأدب العربي في جامعة دمشق ثم هاجر إلى برلين عام 1957 ودرس التصوير في المدرسة العليا للفنون التشكيلية في صف هان ترير. عُيّن أستاذاً في المدرسة العليا للفنون ببرلين عام 1980 حتى تقاعده عام 2002، وتوفي في برلين في 23 تشرين الأول 2016.

ما المقصود بـ«الرؤوس»؟

السلسلة التي كرّس لها مروان النصف الثاني من مسيرته: رؤوس بشرية ضخمة، غالباً أفقية أو مائلة، مبنية بطبقات لونية كثيفة حتى تبدو ملامحها تضاريس أرض. سبقتها مرحلتا «الوجوه-المناظر الطبيعية» و«الماريونيت» في السبعينات.

أين تُعرض أعماله اليوم؟

في مجموعات كبرى بينها متحف شتيدل في فرانكفورت ومؤسسة برجيل في الشارقة ومؤسسة دلول في بيروت، إضافة إلى المتحف الوطني بدمشق. تمثل إرثه غاليري صفير-زملر في بيروت وهامبورغ.