وليد المصري: الشرانق

6 September 2026

عشرات المرات رسم وليد المصري الكرسي نفسه. كرسي خشبي عادي، من النوع الذي تجده في أي بيت دمشقي، يعود إليه اللوحة تلو اللوحة كأنه لم يرسمه قط. سنوات كاملة من كراسٍ تتحلل وتتكاثف وتغرق في طبقات اللون. حين سئل عن هذا الإصرار أجاب بجملة تصلح بياناً فنياً كاملاً: «كل مرة تكرر فيها شكلاً، تدركه بطريقة مختلفة».

دمشقي التكوين

ولد المصري عام 1979 من أصل لبناني، لكن مطبخه الفني دمشقي صرف. تخرج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 2005، ودرس فن الفسيفساء الذي ترك في أعماله أثراً واضحاً: بناء السطح من وحدات صغيرة متراكمة، والصبر الحرفي الطويل.

المحطة الثانية في تكوينه كانت الأكاديمية الصيفية بدارة الفنون في عمّان، حيث تدرب على يد مروان قصاب باشي، السوري الذي علّم أجيالاً في برلين وعمّان أن الموضوع الواحد يتسع لعمر كامل. درس مروان واضح في مشروع المصري كله: الأستاذ كرّس عقوداً للرأس الواحد، والتلميذ اختار الكرسي ثم الشرنقة.

من الكرسي إلى الشرنقة

مع غاليري أيام - وقصة هذه المؤسسة التي غيرت سوق الفن السوري في مقالها الخاص - بدأ صعود المصري: معرض دمشقي أول عام 2008، ثم دبي 2009 و2012، فبيروت وجدة 2013، فلندن 2014. في تلك السنوات نفسها وصل إلى معهد العالم العربي بباريس، وعرضت أعماله في متحف بوسان للفنون بكوريا الجنوبية وفي معارض بكين وهونغ كونغ الفنية.

ثم جاء التحول الذي أعطى هذا المقال عنوانه. بعد 2011 ترك المصري الكرسي وذهب إلى شرنقة الفراشة، يرسمها بوسائط مختلطة في أعمال أنجز معظمها بين 2013 و2016. الاستعارة معلنة عنده: الشرنقة سوريا، كائن معلق في منتصف التحول، انتهى طوره الأول ولم يبدأ طوره الثاني. لا أجنحة بعد، ولا يرقة عادت. مجرد انتظار غامض معلق في الضوء.

الحرب دخلت حياته من أوسع أبوابها وأقساها: خطف والده ثم فقده. وحين عاد إلى الرسم بعد الفاجعة رسم طاووساً تحية لأبيه، وأنجز أعمالاً عن أطفال الحرب. هذه السيرة الشخصية جزء من قصة جيل كامل نرويها في مقال الحرب والفن السوري.

محطات وليد المصري

ماذا يفعل التكرار باللوحة؟

يظن من يمر سريعاً أمام أعمال المصري أنه يرى اللوحة نفسها مكررة. الوقوف دقيقة إضافية يقلب الحكم: لا لوحتان تتشابهان. في سلسلة الكراسي يتغير كل شيء ما عدا الكرسي: كثافة الطبقات، حرارة اللون، درجة التحلل التي يسمح بها للشكل قبل أن يمسكه. وفي الشرانق يذهب أبعد: الشرنقة تظهر أحياناً كتلة معتمة معلقة، وأحياناً نسيجاً شفافاً يكاد يذوب في الأرضية، وأحياناً جرحاً لونياً صرفاً لا يبقى من الشكل إلا أثره.

هذه منهجية ورثها عن درس الفسيفساء بقدر ما ورثها عن مروان: الصورة الكبيرة تبنى من وحدات صغيرة صبورة، والموضوع الواحد مختبر لا قفص. المصري نفسه يضع القاعدة ببساطة: التكرار ليس إعادة بل إدراك جديد في كل مرة. ولذلك تقرأ سلاسله كما تقرأ يوميات: كل لوحة تاريخ نفسي ليومها، والموضوع الثابت مجرد مسطرة تقيس عليها التحولات.

إلى جانب مرسمه، انخرط المصري في «القافلة الثقافية السورية» التي تنظم فعاليات فنية متنقلة في المدن الأوروبية، محافظاً على صلة عملية بجمهور الشتات السوري الذي يشبه شرانقه: معلق بدوره بين بلدين وطورين.

للمقتني: سوق واضحة المعالم

من زاوية الاقتناء، للمصري ميزة يقدرها جامعو الفن: مشروع متماسك سهل القراءة. سلسلة الكراسي وسلسلة الشرانق محطتان موثقتان لدى غاليري أيام بأرشيف كامل، ومؤسسة أتاسي توثق مسيرته ضمن مرجعها للفن السوري. حين تكون السلاسل بهذا الوضوح يسهل تسعير العمل من موقعه فيها: أعمال الشرانق الكبيرة قلب إنتاجه الناضج، والكراسي المبكرة وثائق مرحلة التأسيس.

ثمة مؤشر إضافي يطمئن المقتني الحذر: عرض متحفي آسيوي مبكر في بوسان، وحضور معهد العالم العربي الباريسي في سجله، يعنيان أن الاسم اجتاز فلترين مؤسساتيين مستقلين عن غاليريه الأم. في سوق الفن السوري الشاب، حيث تصنع بعض الأسماء داخل صالة واحدة، هذا الاستقلال النسبي للمصادر وزنه ذهب.

أعماله تتحرك أساساً عبر شبكة أيام وصالات باريس، وتظهر في مزادات الفن العربي بين حين وآخر بأسعار جيل الوسط السوري. قواعد الفحص والتوثيق قبل أي شراء تجدها في دليل شراء الفن السوري.

موقعه في الخريطة

المصري واحد من أنجح أبناء جيل الألفين، الجيل الذي تخرج من دمشق قبيل العاصفة وحمل مشروعه إلى العواصم. تجد موقعه بين الأسماء الكبيرة في قائمة أشهر الفنانين السوريين، والمشهد كله من بوابة فهرس المقالات.

أما شرانقه فما زالت معلقة في صالات العالم، تنتظر مع أصحابها اكتمال التحول. الفراشة لم تخرج بعد. لكن الرسام الذي يعرف قيمة التكرار يعرف أيضاً أن الانتظار نفسه يستحق أن يُرسم، مرة بعد مرة، حتى يبوح بكل طبقاته.

FAQ

من هو وليد المصري؟

فنان تشكيلي ولد عام 1979 من أصل لبناني وتكوّن فنياً في دمشق، حيث تخرج من كلية الفنون الجميلة عام 2005 ودرس فن الفسيفساء. تدرب على يد الفنان مروان قصاب باشي في الأكاديمية الصيفية بدارة الفنون في عمّان، وارتبط اسمه بغاليري أيام منذ معرضه الدمشقي الأول عام 2008.

ما قصة سلسلة «الشرانق»؟

بعد سنوات من الاشتغال على الكرسي موضوعاً وحيداً متكرراً، انتقل المصري إلى شرنقة الفراشة يفككها ويعيد رسمها بوسائط مختلطة. الشرنقة عنده استعارة عن سوريا: كائن معلق في طور التحول، لا هو ما كان ولا هو بعد ما سيصير، والسلسلة أنجز معظمها بين 2013 و2016.

أين عرض وليد المصري أعماله؟

أقام معارض فردية في غاليري أيام بدمشق ودبي وبيروت وجدة ولندن، وفي معهد العالم العربي وغاليري أوروبيا بباريس، وفي إيكس أون بروفانس، وعرضت أعماله في متحف بوسان للفنون بكوريا وفي معارض فنية دولية من بكين إلى هونغ كونغ.