الفن السوري في سنوات الحرب - الشتات والذاكرة (2011-2024)
6 September 2026
في شباط 2013 انتشرت على الشاشات صورة واحدة أكثر من كل تقارير الحرب: عاشقا غوستاف كليمت الذهبيان يتعانقان على واجهة مبنى سوري مثقوب بالقذائف. «غرافيتي الحرية» لتمّام عزّام، من سلسلته «المتحف السوري»، جمعت عشرات آلاف المشاركات خلال أيام. الفنان نفسه كان قد غادر إلى دبي بعد أشهر من اندلاع الحرب، وصار عمله الرقمي هذا أشهر لوحة سورية في القرن الحادي والعشرين - وهي أصلاً ليست لوحة، بل صورة عن وطن لم يعد ممكناً الرسم فيه.
لم تكن «غرافيتي الحرية» عملاً منفرداً بل جزءاً من سلسلة «المتحف السوري» التي زرع فيها عزّام روائع الفن الغربي - من دافنشي إلى ماتيس - داخل مشاهد الدمار السوري، ليقول الجملة التي بنى عليها جيل كامل خطابه: ما يُدمَّر هنا ليس حجراً بل حضارة. تلك المفارقة تختصر ثلاثة عشر عاماً كاملة: فن يزدهر عالمياً بينما أرضه تحترق.
من بقي ومن رحل
انقسم المشهد قسمين قاسيين. في الخارج، تدفق الفنانون على عواصم اللجوء والمنفى: برلين قبل غيرها، ثم باريس وبيروت ودبي وإسطنبول ولندن. والصالات تبعتهم أو سبقتهم - صالة أتاسي، العاملة في سوريا منذ 1986، أغلقت أبوابها الدمشقية مع تصاعد العنف عام 2011 وأكملت عملها مؤسسةً من الخارج توثّق وتنشر وتقيم المعارض. وفي الداخل بقيت قلة تعمل بصمت تحت الرقابة والحصار، تعرض في مساحات ضيقة وتخبئ ما لا يمكن عرضه.
قصة يوسف عبدلكي تلخص ثمن البقاء. الحفّار الكبير، العائد إلى دمشق عام 2005 بعد ربع قرن من المنفى الباريسي، صودر جواز سفره عام 2010، ثم اعتُقل في 18 تموز 2013 بعد توقيعه بياناً يطالب برحيل رأس النظام. أُفرج عنه بعد نحو خمسة أسابيع، فبقي في دمشق يرسم طبيعاته الصامتة بالفحم: سمكة ميتة، سكين، حذاء عسكري - ذاكرة بلد كامل في أدوات مطبخ.
برلين عاصمة بديلة
في الضفة الأخرى، تحوّل الشتات من حالة طوارئ إلى بنية ثقافية كاملة، وبرلين قلبها. هناك أسس خالد بركة، الفنان المولود في سوريا عام 1976، منظمة «كوكلتور» لدعم المنتجين الثقافيين المهجّرين، وأطلق «فهرس الثقافة السورية» قاعدة بيانات تربط الفنانين المشتتين، و«البينالي السوري» - أول معرض متنقل يتتبع في محطاته طرق اللجوء نفسها من لبنان إلى أوروبا.
المنفى غيّر الأسئلة أيضاً. جيل الستينيات رسم الأرض والناس من الداخل - كما في عقد الحداثة الذهبي - أما جيل الحرب فاشتغل على الذاكرة والفقد والجسد المهاجر. الهجرات اتخذت أشكالاً مختلفة: عزّام إلى دبي بعد أشهر من اندلاع الحرب، وسارة شمّا إلى لندن عام 2016 بتأشيرة المواهب الاستثنائية، وآلاف الأسماء الأصغر عبر البحر. حتى الكبار الراحلون أُعيدت قراءتهم بعين المنفى: مروان قصاب باشي، الذي عاش في برلين منذ 1957 حتى رحيله فيها عام 2016، صار فجأة أباً روحياً لجيل كامل وجد نفسه يمشي طريقه نفسها - سوري في برلين، يرسم وطناً يبتعد كلما اقترب منه.
السوق يصعد فوق الركام
هنا المفارقة الثانية. سنوات الحرب كانت سنوات صعود متواصل لسوق الفن السوري. الحضور الدولي المكثف - معارض تضامن، مقتنيات متاحف، تغطية إعلامية - ترجم نفسه أرقاماً: رقم فاتح المدرّس القياسي (374,500 دولار، كريستيز دبي 2010) صمد عقداً كاملاً قبل أن تنهال الأرقام الأعلى، وبلغ مزاد بونهامز اللندني للفن الشرق أوسطي في 25 تشرين الثاني 2025 مجموعاً تجاوز 3.2 مليون جنيه إسترليني مع أرقام قياسية عالمية عدة، وكانت الأسماء السورية بين الأقوى أداءً فيه. وقبله بأشهر حطم لؤي كيالي السقف السوري كله بـ900 ألف دولار في سوثبيز.
مزاد بونهامز ذاك يستحق وقفة لأنه يلخص آلية السوق كلها. رأس السعر كان لأعمال مروان: «رأس» بتقدير 80-100 ألف جنيه، بينما قفز عمل صغير له مقدّر بأربعة إلى ستة آلاف جنيه ليُباع بـ66,440 جنيهاً - أحد عشر ضعف التقدير. حين يتقاتل المزايدون على عمل هامشي لفنان سوري راحل، فالرسالة أن الطلب صار أعمق من المعروض.
قسوة المشهد أن معظم هذه القيمة تراكمت خارج البلاد: اللوحات في دبي ولندن، والفنانون في برلين، والجمهور السوري خلف شاشة.
ماذا تبقى؟
تبقّى أرشيف هائل من الأعمال والمبادرات، وجيل جديد تشكّل وعيه الفني كاملاً في الحرب، وشبكة عالمية من الفنانين السوريين لم تكن موجودة قبل 2011. وتبقّت أيضاً أسئلة معلقة: أين استقرت آلاف الأعمال التي خرجت من البلاد في حقائب وشاحنات؟ ومن يوثق إنتاج ثلاثة عشر عاماً تناثر بين قارات ثلاث؟ هذه أسئلة ستشغل الباحثين والمقتنين لعقود. وحين سقط النظام في 8 كانون الأول 2024، كانت هذه الشبكة نفسها - بمنظماتها وقواعد بياناتها وخبراتها المتراكمة في المنفى - أول من التفت نحو الوطن وبدأ رحلة العودة إلى دمشق.
السياق الكامل من البدايات في تاريخ الفن التشكيلي السوري، والمزيد في صفحة المقالات.
FAQ
ما قصة صورة «غرافيتي الحرية» لتمّام عزّام؟
في شباط 2013 ركّب تمّام عزّام رقمياً لوحة «القبلة» لغوستاف كليمت على واجهة مبنى سوري مدمّر ضمن سلسلته «المتحف السوري». انتشرت الصورة عالمياً خلال أيام وتحولت إلى أشهر أيقونة بصرية للحرب السورية.
هل غادر كل الفنانين السوريين البلاد بعد 2011؟
لا. غادر كثيرون إلى برلين وباريس وبيروت ودبي وإسطنبول ولندن، لكن آخرين بقوا وواصلوا العمل في الداخل، أبرزهم يوسف عبدلكي الذي اعتُقل في تموز 2013 بعد توقيعه بياناً معارضاً وأُفرج عنه بعد نحو خمسة أسابيع، وظل في دمشق.
كيف تأثر سوق الفن السوري خلال الحرب؟
على عكس المتوقع، صعد. الاهتمام الدولي بالقضية السورية رفع حضور فنانيها في المعارض والمزادات، وتوالت الأرقام القياسية: من رقم فاتح المدرّس (374,500 دولار، 2010) إلى رقم لؤي كيالي (900 ألف دولار، سوثبيز 2025).